ذَهَبُ “خلّة وردة” – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

ذَهَبُ “خلّة وردة”

201871205652695636669538126956894
د. زينب الطحان

–  “هل يكفي هذا المقدار من التّدريب والتّحضير الذي استمرّا شهورًا عديدة؟”.
همسًا، سأل مهتدي صديقه أحمد، وهما محتميان خلف شجر السّنديان والصنوبر، تظلّل بأغصانها العريضة والكثيفة ظلّهما المنبسط على الزرع النّضر الأخضر، يحملان سلاحهما متأهّبَين بانتظار إشارة الانطلاق.

يبتسم أحمد، ويشير له بيده إلى صدره راسمًا صورة قلب كبير؛ ليرفع سبّابته إلى السّماء.. وسأله: “أتذكر الأسبوع الماضي، حين المناورة، عندما صعد الحاج قاسم إلى أعلى تلك الشّجرة، ماذا قال لنا؟”.

وفي اللّحظة ذاتها، تصل الإشارة صادرة من الجهاز اللاسلكيّ. فيتقدّم أحمد وبالكاد يرفع صوته إليه: “نادِ إمامنا المهديّ.. أشعرُ به يرافقنا حتّى النّبضات..”.

لم يهمل صديقه مهتدي فرصةً للردّ. كان التحرّك سريعًا. انقسمت مجموعات شبّان المقاومة التي كانت منتشرة بين الحقول وأشجارها الكثيفة الملتفّة، تحيط بالمكان وتغطّي تحرّكاتهم. كانت مهمّة المجموعة الأولى قطع الأسلاك الشائكة المغروسة في الأرض الترابيّة الوعرة، صعودًا ونزولًا، تفصل بين المنطقة المحتلّة ومرتفعات بلدة عيتا الشعب، وتبعتها المجموعات الأخرى.

مهتدي، لم يشأ ارتداء “الجاكيت” العسكريّة، اكتفى بقميصه الأخضر العسكريّ المموّه، ذي الكمّ القصير. الطقس كان حارًّا، فالشمس السّاطعة، صباح ذلك اليوم، زاهية بأشعّتها البنفسجيّة، جعلت حمل العتاد العسكريّ الثقيل منه والخفيف، يلمع كالذّهب الحجريّ المستخرج للتوّ من كهفٍ مغمور، تحت أرض “خلّة وردة”..

“عيتا الشعب” ضيعته، استولى عليها الاحتلال الإسرائيليّ، خلال اجتياح العام 1982م، والمحاذية تمامًا لحدود فلسطين المحتلّة مع جنوب لبنان.

رآهما مهتدي، وهو يتقدّم مع المجموعة الثانية؛ آليّتان عسكريّتان، “يسيمون 4” و”يسيمون 4 أ”، التابعتان للدوريّة الحدوديّة الخاصّة بمسح الأثر وتفقّد السّلك، على الطريق الحدوديّة. لاح لمجموعات الرصد في المقاومة تقدّم هذه القوّة العسكريّة الإسرائيليّة على الطريق الداخليّ الرابط بين مستعمرتَي “زرعيت” و”شتولا”، باتّجاه الترقيم الحدوديّ “نقطة 1. يتحصّن داخلهما جنود من الجيش الإسرائيليّ.

يترصّد القصف الناريّ من مجموعة أخرى من شبّان المقاومة من جهة موقع عالٍ تحرّكات آليّات العدوّ، يقطع الطريق الفاصل بين الآليّتين.

تمامًا هما واقفتان في نقطة “مئة وخمسة”.
النقطة الوحيدة لا كاميرات مراقبة فيها….

أسرعت المجموعة الأولى في تقدّمها، تردّ على النيران، تحمي ظهرها مجموعات أخرى. “حَمِيَ الوَطِيسْ”، قال مهتدي. حتّى الآن لا إصابات، حَمَدَ الله، ونادى
-: “يا مهديّ كن معنا..”.
“أنا معكم..”!

سمع هذا الصوت الرخيم، التفت فرأى خلفه صديقه أحمد مبتسمًا، وهو يشير إلى العصابة المربوطة على ذراعه “يا مهدي”، وحثّه على التقدّم: “ليس وقت الدهشة، أكمل مسيرك، وسيكون معنا..”.

بادله “مهتدي” ابتسامته، ويده على زناد رشاشه، يردّ على مصادر النيران المشتعلة، حيث رسم دخان المعركة هالات ضبابيّة في أكثر من بقعة ظلّلت “خلّة وردة”.
صاروخ “أر بي جي” أصاب مقدّمة الملّالة الإسرائيليّة. تصاعد الدخان كثيفًا. لحظات معدودة وتصل المجموعة الأولى، وتفتح باب الملّالة. أربعة جنود. كم أسيرًا سيطالون اليوم؟ “يا له من صيد ثمين..!!”.
– “ولكنّكم لم تأسروا سوى اثنين يا مهتدي؟!”.
– “وهل كنت تعتقد أنّي سأخبرك بالتفاصيل كلّها يا سيّد صادق؟!”.
– اسمع..أخبروني الشّباب الذين كانوا يراقبون أجهزة التنصّت أنّ قائد الدوريّة الإسرائيليّة “إيهود غولد فاسر”- أنذاك- كان يلقي تحيّة الصبّاح على جنود المركبة التي تسير خلفه، زاهيًا يقول لهم
– أرجو للجميع الفرح..”..

وأيضًا؛ ليطمئن قلبه عاود التّواصل مع المركبة خلفه. كان هذا آخر تواصل بين المركبتَين… لم يدر المسكين أنّنا كنّا ننتظرهم منذ شهور… كلّ مجريات الأمور كانت تحت أنظار غرفة عمليّات المقاومة ومسامعها، والتي أبلغت القيادة في الغرفة المركزيّة الخاصّة بمتابعة الموضوع، بما يحصل على الأرض.

عندئذ؛ أوعز الحاج قاسم إلى المقاومين جميعهم بجاهزيّة التنفيذ، وتجهيز العبوات لخرق السّلك. أمسك بمنظاره ليحدّد سرعة آليّات الهامر الإسرائيليّة القادمة؛ ثمّ حمل بندقيّته واقترب إلى حافّة الخلّة مقابل مكان الخرق ليدير العمليّة من هناك.

حصلت المواكبة لحظة بلحظة، في انتظار مجيء الهدف. وُضعت الوحدات جميعها في حال الاستنفار القصوى. .. صديقي “بلال عدشيت” ذَخَّر مدفع الـ” b9″ بقذيفة ضدّ الدروع. وهو السّلاح الذي كان قد اختير بالتحديد لتميّزه بسرعة وصول قذيفته من القاذف نحو الهدف (800 متر/ثانية).. لقد كرّس عامل المفاجأة.. يا صادق.. ليتك شاهدت دهشتهم وخوف عيونهم..

أمّا قذيفة هذا المدفع، فاختيرت؛ لأنّها تُخفّف من احتمال قتل الجنود، عكس العبوة التي استُخدمت في عمليّة الأسر في شبعا، في العام 2000م.. “بلال” هذا يا صديقي كان له تجربة عميقة مع صواريخ المقاومة، فهو من أمهر الرّماة وأدقّهم توجيهًا وإصابة…هل تعلم قبل التحرير، أوكلت إليه في عمليّة “العزّيّة” مهمّة إدخال صاروخ موجّه من “طلّاقة” دشمة الحرس. يومها، انتشرت بكثرة صورة الجنديّ الإسرائيليّ المقتول داخلها، من دون أن يعرف أحد صاحب هذه الرمية.

هنا “بلال عدشيت” مرّةً أخرى، لقد أوكل إليه استهداف المركبة الأولى -التي سيُخرَج منها جنود العدوّ ليقعوا أسرى في يد المجاهدين- أوكل إليه بشكل محدّد إصابة المركبة لتعطيلها، من دون أن تنفجر. وصلت الدوريّة إلى نقطة المكمن. رفع الحاج قاسم سريعًا سمّاعة الهاتف؛ إذ لم يكن المجاهدون المتمركزون في نقطة “خلّة وردة”، في خراج بلدة عيتا الشعب، بحاجة إلى استخدام جهاز لاسلكيّ؛ فقد أُوصِلَت خطوط الشبكة الداخليّة على كلّ نقطة من النقاط التي توزّعت عليها المجموعات العسكريّة.
جاء صوته حازمًا: “انقضّوا على الدوريّة”..

وجّه “بلال” سلاحه بدقّة نحو الزاوية التي من المتوقّع أن تخفّف المركبة سرعتها، لحظة وصولها إليها. انتظرها، وفي الساعة 9:01 صباحًا تمامًا، وبنداء “يا رسول الله”، أطلق القذيفة معلنًا بدء عمليّة “الوعد الصادق”. أصاب مركبة “الهامر” مباشرةً، ثمّ لحقه صديقه آخر برميها بثلاث قذائف “b7″، محقّقين إصابات موضعيّة أدّت إلى إيقاف “الهامر”، بحسب الخطّة المقرّرة.

عملت الرشّاشات الثقيلة، من الفرقة الموكل إليها التأمين القريب بقيادة الحاج “بلال” على تكثيف النيران باتّجاه مركبة “الهامر” الخلفيّة، كذلك أصابت القذائف المضادّة للدبّابات هذه المركبة إصابة قاتلة ودقيقة. قُتل سائقها سريعًا، وقفز منها جنديّان محاولين الهرب، فرُميا بالرشّاشات؛ ليسقطا أرضًا.

عندها أوعز الحاج قاسم إلى مجموعة الهندسة بتفجير السّلك التقنيّ، وفتح الثغرة بعبوة خاصّة؛ ليعبروا منها إلى الأراضي المحتلّة. هنا، جاء دور قوّة الانقضاض؛ تقدّم صديقي “حمزة” ومعه ستة من رفاقه نحو “الهامر” الأوّل وسط تأمين ناريّ كثيف، تقدّموا بسرعة في الوقت الذي حاول فيه جنديّان إسرائيليّان الهرب نحو الشجيرات القريبة، لكنّ “عبّاس” -المناطة به مهمّة القنص- سرعان ما رماهما. أصاب الاثنين، فأردى الأوّل قتيلًا، وجرح الثاني الذي استطاع الزحف والانسحاب مبتعدًا عن موقع العمليّة.

وصلت مجموعة الانقضاض إلى “الهامر” الأوّل الذي كان قد بقي فيه الجنديّان “إيهود غولد فاسر” و”إلداد ريغيف”، سحبهما المجاهدون. حملوهما من أكتافهما من جهة، ومن أقدامهما من جهة أخرى. ركضوا بهما نحو السياج، وبقي مجاهدٌ أخير، وضع عبوةً داخل “الهامر”، ثمّ فجّرها بصاعق زمنيّ لمسح أيّ دليل قد يساعد العدوّ في كشف ما حصل، أو معرفة مصير الأسرى.

جرى الانسحاب سريعًا، توجّه المقاومون نحو السياج، وخرجوا نحو السّيارة التي تنتظرهم. في غضون دقائق، اختفوا من الوجود تمامًا! حصل كلّ ذلك تحت إسناد قوّات الانقضاض بقيادة حبيبي “محمّد”

في تمام الساعة 9:06، رفع الحاج قاسم السمّاعة مرّةً أخرى. هذه المرة اتّصل بغرفة القيادة: “بلّغ صاحبنا، الأمانة صارت عنّا”…
وأخيرًا نطق صادق : “صاحبنا ما غيره؟!..الله يحميه”..
1-    القائد خالد بزّي (الحاج قاسم)، استشهد في حرب تموز العام 2006 في مواجهات “بنت جبيل”
2-    علي صالح (بلال عدشيت/ استشهد في حرب تمّوز 2006م).
3-    بلال خير الدين (أبو جعفر/ استشهد في القريتين في سوريا)
4-    الشهيد حمزة حيدر (أبو مصطفى/ استشهد في حمص العام 2014م)
5-    عبّاس كوراني (هشام/ استشهد أثناء تأديته واجبه الجهاديّ)
6-    محمّد عسيلي (ذو الفقار/ استشهد في معركة مارون الراس في تمّوز 2006م).
7-    إبراهيم الحاج (أبو محمّد سلمان/ استُشهد في العراق)

المصدر: بريد الموقع