الثلاثاء   
   26 05 2026   
   9 ذو الحجة 1447   
   بيروت 19:19

خاص | التجنيد الإجباري في كيان العدو: مأزق داخلي أم خطر على الأمن القومي؟

محمد أحمد حمود

أولاً: خلفية بنيوية لنظام التجنيد في الكيان الإسرائيلي

يعتمد نظام التجنيد في كيان العدو على الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال والنساء فوق سن الثامنة عشرة، مع استثناءات تشمل معظم غير اليهود وطلاب المدارس الدينية اليهودية، وتبلغ مدة الخدمة نحو 36 شهرًا للرجال و24 شهرًا للنساء. وشكّل إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، بموجب ترتيب أقرّه دايفيد بن غوريون ، أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل مجتمع العدو، مع تصاعد الانتقادات لعدم مساهمتهم في “العبء العسكري”.

وفي حزيران/يونيو 2024، قضت المحكمة العليا في الكيان بإلزام الحريديم بالخدمة العسكرية، منهيةً عمليًا عقودًا من الإعفاء، قبل أن يبدأ جيش العدو خطوات تجنيدهم في الشهر التالي.

في هذا الصدد يرى الباحث وليد الخالدي في دراسته «بناء الدولة اليهودية، 1897-1948: الأداة العسكرية»، المنشورة في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية ضمن مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 39، صيف 1999، أن الأداة العسكرية الصهيونية شكّلت ركيزة أساسية في بناء الدولة اليهودية، إذ تزامن نمو التنظيمات العسكرية الصهيونية مع توسع الاستيطان اليهودي وتطور المشروع الصهيوني في فلسطين، ويؤكد الخالدي أن التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها “الهاغاناه”، لم تؤدِّ دورًا أمنيًا فحسب، بل ساهمت في حماية المستوطنات وتنظيم الهجرة وفرض الوقائع السياسية والعسكرية على الأرض، قبل أن تتحول لاحقًا إلى نواة لجيش العدو الإسرائيلي بعد قيام الدولة عام 1948، ما جعل المؤسسة العسكرية جزءًا بنيويًا من مشروع تأسيس الدولة العبرية وترسيخها.

ويعكس هذا التأسيس التاريخي المبكر مركزية الدور العسكري في بنية الدولة الناشئة، وهو ما يفسّر لاحقًا التحول في وظيفة الجيش من مجرد أداة قتال إلى إطار اجتماعي–سياسي جامع.

في هذا السياق يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني ، إن جيش العدو الإسرائيلي سُمّي “جيش الشعب” بهدف تمكين جميع مكوّنات المجتمع اليهودي من الخدمة فيه، ولم يكن الهدف عسكريًا بحتًا بقدر ما كان مشروعًا اجتماعيًا يسعى إلى تحويل الجيش إلى “فرن صهر” لمجتمع يتكوّن من مهاجرين ذوي خلفيات وإثنيات وثقافات متعددة، تشمل الشرقيين والغربيين والروس والإثيوبيين والعلمانيين، إضافة إلى تنوع لغوي كبير بين الألمانية والإنجليزية والعبرية والعربية، في محاولة لصناعة هوية إسرائيلية موحّدة عبر المؤسسة العسكرية.

لكن، بحسب شديد، فإن هذا المشروع فشل بعد 78 عامًا على تأسيس جيش العدو الإسرائيلي، إذ لم ينجح في إذابة الفوارق الإثنية والاجتماعية داخل المجتمع، بل على العكس، بات المجتمع الإسرائيلي اليوم يتكوّن من “قبائل” متمايزة ومليئة بالتناقضات الداخلية، وقد تعمّقت هذه الانقسامات بشكل أكبر بعد أحداث 7 أكتوبر وما تلاها، بدل أن تؤدي إلى تعزيز التماسك والوحدة.

ويتابع أن هذا الفشل يعكس طبيعة البنية الاجتماعية في إسرائيل، حيث لم يعد الجيش قادرًا على أداء دوره التاريخي كأداة دمج اجتماعي وتوحيد هوياتي كما كان يُراد له عند التأسيس.

ثانيًا: أزمة الحريديم والتجنيد كمدخل للأزمة السياسية

مثّلت مسألة تجنيد الحريديم في جيش العدو نقطة خلاف مزمنة داخل مجتمع الكيان منذ عام 1948، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ خلال العقود الثلاثة الأخيرة مع تزايد أعداد هذه الفئة وتوسع الإعفاءات الممنوحة لها.

في هذا السياق كتب الباحث-الصحافي إيمانويل (ماني) فابيان في صحيفة The Times of Israel أن جيش العدو الإسرائيلي بدأ تجنيد نحو 3000 من رجال الحريديم، ضمن ثلاث دفعات في مؤشر جديد على تفاقم أزمة النقص في القوى البشرية داخل جيش الاحتلال، تتزايد تحذيرات العدو الإسرائيلي من تداعيات استمرار الضغط العملياتي على عدة جبهات، في مقابل استمرار إعفاء فئة “الحريديم” من الخدمة العسكرية ورفضها الالتحاق بالتجنيد الإجباري بدوافع دينية.

وتشير التقديرات إلى أن “الحريديم”، الذين يشكلون نحو 13% من المجتمع الكيان، يتمسكون بموقفهم الرافض للخدمة العسكرية، معتبرين أن التفرغ لدراسة التوراة يمثل واجبهم الأساسي، الأمر الذي يفاقم من أزمة الموارد البشرية داخل الجيش ويزيد من صعوبة سد النقص في أعداد الجنود في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية. هذا ما ورد في صحيفة معاريف (Maariv) ، نقلاً عن تقارير حول أزمة التجنيد في جيش العدو الإسرائيلي.

يرى اللواء محمد المصري، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، في مقابلة مع موقع “المنار” الإلكتروني، أن أزمة التجنيد في إسرائيل ليست مستجدة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل قيام الدولة في عهد دافيد بن غوريون. ويشير إلى أن محدودية عدد الحريديم القابلين للتجنيد في تلك المرحلة جعلت سياسة إعفائهم أقل إثارة للإشكال، رغم أنها لم تكن محددة أو واضحة بشكل كامل.

ويشير المصري إلى أن الحريديم يشكلون تيارًا دينيًا مغلقًا نسبيًا، يرفض الخدمة العسكرية بدافع ديني يقوم على اعتبار التفرغ لدراسة التوراة مساهمةً موازية في حماية الدولة، بل تفوق في نظرهم الخدمة العسكرية نفسها، وهو ما يعمّق الفجوة مع التيارات العلمانية داخل مجتمع الكيان الإسرائيلي.

ويضيف أن الأزمة ازدادت تعقيدًا في ظل ارتفاع الحاجة الأمنية وتعدد الجبهات العسكرية، ما أدى إلى استنزاف قوات الاحتياط وتفاقم الضغط على الجيش، في مقابل استمرار إعفاء الحريديم الذين يشكلون نسبة متزايدة من السكان، مع تراجع واضح في قدرة الدولة على فرض التجنيد المتساوي.

أما على مستوى التحليل السياسي، فيُبرز اللواء المصري أن الانقسام السياسي داخل إسرائيل يعمّق الأزمة، إذ يتمسك حزب “يهودوت هتوراه” بموقف متشدد رافض للتجنيد، في حين يُظهر حزب “شاس” مرونة نسبية، بينما يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطًا متناقضة داخل الائتلاف، بين من يرفض إعفاء الحريديم ومن يصر على تمريره، ما يجعل قانون التجنيد أحد أكثر الملفات تهديدًا لاستقرار حكومة العدو الإسرائيلية.

ويؤدي هذا التناقض إلى تحويل ملف التجنيد من قضية أمنية إلى أزمة سياسية داخلية تهدد استقرار الحكومة، وتدفع نحو سيناريوهات محتملة مثل حل الكنيست أو التوجه إلى انتخابات مبكرة. وبذلك يتضح أن الأزمة لم تعد تقنية أو إدارية، بل أصبحت جزءاً من بنية الصراع السياسي داخل نظام الكيان الإسرائيلي.

ثالثًا: أزمة التجنيد والاحتياط وتراجع الجاهزية البشرية في ظلّ تعدّد الجبهات بعد 7 أكتوبر(طوفان الأقصى)

تكشف المعطيات التي عرضها محلّل الشؤون العسكرية في موقع زمان إسرائيل، أمير بار شالوم، عن أزمة بنيوية متفاقمة داخل جيش الكيان على مستوى التجنيد والاحتياط والجاهزية البشرية، في ظلّ استمرار الحرب وتعدّد الجبهات منذ طوفان الأقصى- 7 أكتوبر 2023. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالاستنزاف العسكري الناتج عن طول أمد العمليات في غزة ولبنان، بل باتت تعكس خللاً أعمق في قدرة المؤسسة العسكرية على تأمين القوى البشرية اللازمة لإدارة حرب طويلة ومتعددة الاتجاهات.

في السياق نفسه، يرى اللواء المصري أنّ جيش العدو يواجه أزمة بشرية متفاقمة نتيجة الحرب الطويلة وتعدّد الجبهات، إذ أشار إلى حاجة الجيش إلى ما لا يقل عن 12 ألف جندي حالياً، مع احتمال ارتفاع العدد إلى 20 ألفاً مع نهاية العام، بسبب عدم قدرة المؤسسة العسكرية على تعويض الاستنزاف المستمر. وربط ذلك بتوسّع العمليات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، وما تتطلبه من قوات ثابتة على الأرض، لا مجرد وحدات احتياط مؤقتة.

واعتبر أنّ طول أمد الحرب كشف حدود قدرة العدو الإسرائيلي على الحسم العسكري، سواء في غزة حيث لم يتمكن جيش العدو من إنهاء المقاومة رغم حجم الدمار والخسائر البشرية، أو في لبنان حيث فوجئت بقدرات حزب الله بعد مرحلة التصعيد، ولا سيما في ما يتعلق باستخدام المسيّرات والتقنيات القتالية التي أربكت جيش العدو.

كما شدّد على أنّ تعدّد الجبهات بعد طوفان الأقصى أدى إلى ضغط غير مسبوق على قوات الاحتياط، مع تزايد مؤشرات التعب داخل المؤسسة العسكرية، وظهور بوادر امتناع عن الخدمة واستقالات داخل الجيش النظامي والاحتياط. ويرى أنّ الكيان الاسرائيلي لم يعد قادراً على خوض حروب طويلة كما في السابق، وأنّ عقيدته الأمنية التقليدية القائمة على “الردع والإنذار المبكر” تعرضت لهزة عميقة بعد عملية طوفان الأقصى، التي كشفت هشاشة المنظومة الأمنية والعسكرية للعدو الإسرائيلي.

وفي السياق نفسه، يرى عادل شديد أنّ جيش العدو مثّل عبر التاريخ العمود الفقري لقيام الدولة واستمرارها، إلى حدّ تحوّله إلى ما يشبه “البقرة المقدسة” داخل المجتمع، حيث تداخلت المنظومة العسكرية مع مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويستند هذا التصور إلى رؤية دافيد بن غوريون وموشيه ديان، القائلة بأن بقاء إسرائيل مرهون بوجود جيش قوي وفاعل في جميع مفاصل الدولة.

ويشير إلى أنّ تضاعف أعداد “الحريديم” لاحقاً حوّل مسألة إعفائهم من الخدمة العسكرية إلى أزمة بنيوية داخل مجتمع الكيان، خصوصاً مع استمرار رفضهم الالتحاق بالتجنيد لأسباب دينية وثقافية، تتصل بنمط حياتهم المنفصل عن المؤسسة العسكرية.

كما يوضح أنّ التحول نحو نموذج “الجيش الصغير والذكي” بدأ مع حكومة إيهود باراك في نهاية التسعينيات، بعد الاعتقاد بانتهاء الحروب التقليدية مع الجيوش العربية، ما أدى إلى تقليص القوات البرية والاعتماد على سلاح الجو والتكنولوجيا والقدرات السيبرانية. غير أنّ حرب تموز 2006 ضد حزب الله كشفت محدودية هذا النموذج، وأعادت التأكيد على أهمية القوات البرية.

ويؤكد شديد أنّ أزمة الجيش تفاقمت بصورة كبيرة بعد طوفان الأقصى نتيجة الحرب الطويلة وتعدد الجبهات، إذ يعتمد الجيش اليوم بشكل متزايد على قوات الاحتياط التي تعرضت لاستنزاف بشري ونفسي واسع. ويشير إلى خروج عشرات آلاف الجنود من الخدمة الاحتياطية بين قتيل وجريح ومصاب بإعاقات نفسية أو حالات تهرب من الخدمة بسبب طول فترات الاستدعاء. كما أنّ رفض الحريديم للتجنيد عمّق أزمة النقص البشري، في ظل ارتفاع أعداد المؤهلين منهم للخدمة إلى عشرات الآلاف، ما يضع الجيش أمام أزمة تجنيد حقيقية في ظل الحروب المفتوحة وعمليات الاستنزاف المستمرة.

ومن خلال هذه المعطيات، يمكن استخلاص أنّ الكيان الإسرائيلي يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية، حيث باتت المؤسسة العسكرية مضطرة إلى مواجهة تحديات الاستنزاف البشري، في وقت تعجز فيه القيادة السياسية عن فرض حلول بنيوية، بسبب الحسابات الائتلافية والانقسامات الداخلية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول قدرة جيش العدوعلى الحفاظ على جاهزيته واستمرارية عملياته في حال استمرار الحروب الحالية أو توسّعها مستقبلًا.

رابعًا: أزمة الحوكمة والانقسام السياسي: بين إدارة ملف التجنيد وحدود المرونة العسكرية

تُعدّ أزمة قانون تجنيد الحريديم في إسرائيل نموذجاً واضحاً عن تداخل الاعتبارات السياسية بالأمنية، حيث تحوّلت من ملف اجتماعي–ديني إلى أحد أبرز مؤشرات أزمة الحوكمة داخل دولة الكيان الإسرائيلي. فحكومة العدو بقيادة بنيامين نتنياهو تواجه صعوبة متزايدة في تمرير قانون موحّد للتجنيد، في ظل الانقسام الحاد داخل الائتلاف الحاكم بين الأحزاب الحريدية الرافضة للتجنيد والتيار السياسي والعسكري المطالب بتوسيع الخدمة الإلزامية، خصوصاً في ظل النقص المتفاقم في القوى البشرية.

وفي المقابل، يضغط جيش العدو بشكل متصاعد لتأمين احتياجاته البشرية بعد الاستنزاف الكبير الذي تعانيه قوات الاحتياط منذ طوفان الأقصى، ما جعل الأزمة تتجاوز بعدها العسكري لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي على اتخاذ قرارات استراتيجية ملزمة.

ويعكس هذا الصراع المتنامي بين الحسابات الائتلافية ومتطلبات الأمن القومي اتساع الفجوة بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية، بحيث بات ملف التجنيد أحد أبرز تجليات أزمة الحوكمة في إسرائيل، حيث تتقدم الاعتبارات السياسية على مقتضيات الأمن والاستقرار العسكري. وقد ورد هذا الطرح في تحليل نشرته صحيفة The Jerusalem Post حول أزمة قانون تجنيد الحريديم وتداعياتها على استقرار الائتلاف الحاكم والعلاقة بين الجيش والمستوى السياسي.

في هذا الإطار يشير اللواء محمد المصري إلى أنّ أزمة التجنيد في إسرائيل ترتبط مباشرة بأزمة الحكم والانقسام السياسي الداخلي، خصوصاً في ظلّ تمسّك رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بالحفاظ على ائتلافه الحكومي القائم على الأحزاب الدينية و”الحريديم”، رغم الحاجة المتزايدة إلى توسيع التجنيد العسكري.

ويرى أنّ نتنياهو يتجنّب مواجهة الحريديم لأنّ قاعدته الانتخابية الأساسية هي التي تتحمل أعباء الخدمة العسكرية، بينما يرفض التيار الديني الانخراط الكامل في الجيش. وقد أدّى ذلك، بحسب المصري، إلى تعميق الفجوة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، وهي ظاهرة يعتبر أنّها لم تكن بهذا المستوى سابقاً، إذ كان الجيش يُعدّ “درة التاج” داخل إسرائيل.

كما ربط الأزمة الحالية بمحاولات الحكومة اليمينية إعادة تشكيل طبيعة ما تسمى (الدولة الإسرائيلية) وتحويلها من “دولة مدنية” إلى “دولة دينية”، إضافة إلى الصدام مع القضاء والإعلام والأجهزة الأمنية، وهو ما ظهر في الاحتجاجات الواسعة التي سبقت طوفان الأقصى 2023. ويرى أنّ استمرار هذا المسار قد يؤدي مستقبلاً إلى تصدّع داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وإلى مواجهات داخلية بين الجيش والشرطة من جهة، والحريديم والمستوطنين المتطرفين من جهة أخرى.

ويخلص المصري إلى أنّ كيان العدو يواجه اليوم أزمة قرار حقيقية، حيث باتت السلطة متمركزة بيد نتنياهو، في ظل غياب قيادات إسرائيلية قادرة على ضبط التوازن بين الأمن والسياسة. كما يؤكد أنّ الحرب لم تحقق أهدافها السياسية الكبرى، وأنّ إسرائيل أثبتت عجزها عن خوض حرب طويلة أو فرض “شرق أوسط جديد” من دون دعم أمريكي مباشر.

اما عادل شديد فيربط أزمة التجنيد الراهنة بالاضطراب السياسي الداخلي وتنامي الانقسام داخل إسرائيل، معتبراً أنّ الخلاف حول تجنيد الحريديم بات أحد أبرز العوامل التي تهدد استقرار الحكومة والائتلاف الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو.

ويشير إلى أنّ المعارضة ترفض تمرير أي قانون يكرّس إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، بينما يسعى الائتلاف الحكومي إلى الحفاظ على تماسكه السياسي من خلال تجنب الصدام مع الأحزاب الدينية. ومن هنا جاء التوجه نحو حل الكنيست أو التلويح به بهدف تأجيل الانفجار السياسي الداخلي وضمان استمرار نتنياهو في إدارة السلطة حتى موعد الانتخابات المقبلة.

كما يرى أنّ نتنياهو يحاول استخدام التصعيد العسكري في غزة ولبنان ومع إيران كوسيلة للهروب من أزماته الداخلية وتأجيل الانتخابات، بعدما فشل، بحسب تقديره، في تحقيق انتصار حاسم يعيد الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية. ويؤكد أنّ الوعود المتعلقة بإنهاء خطر حزب الله وتحقيق الأمن للإسرائيليين لم تتحقق، ما أدى إلى تراجع ثقة مجتمع الكيان الإسرائيلي بالحكومة.

ويخلص شديد إلى أنّ العدو الإسرائيلي يواجه اليوم أزمة مركبة تجمع بين التآكل العسكري والانقسام السياسي، في ظل عجز النظام السياسي عن التوفيق بين متطلبات الأمن والحسابات الائتلافية والدينية، ما يهدّد مستقبل التماسك الداخلي للمؤسسة العسكرية، ويضع كيان العدو أمام تحديات متزايدة على مستوى بنيته الداخلية واستقراره السياسي والاجتماعي.

خامساً : أزمة التجنيد والاحتياط في كيان العدو بين الاستنزاف العسكري واختلال الحوكمة

تُظهر المعطيات المتراكمة من الشهادات والتحليلات والتقارير العبرية والعربية أنّ أزمة التجنيد والاحتياط في كيان العدو لم تعد مجرّد إشكال تقني يتعلق بنقص الأفراد، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع والمؤسسة العسكرية. فالمعادلة التقليدية التي قامت عليها إسرائيل منذ تأسيسها، والقائمة على الجيش بوصفه “الأداة المركزية” في بناء الدولة ودمج مكوّناتها الاجتماعية، باتت اليوم موضع اهتزاز واضح، مع تصاعد التناقضات بين التيارات العلمانية والدينية، وتفاقم الانقسام حول مفهوم “الواجب الوطني” وحدود المشاركة في الخدمة العسكرية.

ويبرز من خلال هذا المسار أنّ الاستنزاف العسكري بعد طوفان الأقصى، وتعدد الجبهات الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا، قد كشف محدودية النموذج العسكري للعدو القائم على التفوق السريع والحسم الخاطف. إذ لم يعد الجيش قادراً على إدارة حرب طويلة بالاعتماد على قوات الاحتياط وحدها، في ظل تراجع الاستجابة، وتزايد الإرهاق النفسي والجسدي، وارتفاع كلفة الخدمة الطويلة. وفي المقابل، فإن استمرار إعفاء الحريديم وتوسع كتلتهم الديموغرافية عمّق الفجوة داخل منظومة التجنيد، ما جعل أزمة القوى البشرية تتخذ طابعاً وجودياً يهدد قدرة الجيش على الحفاظ على جاهزيته العملياتية.

أما على المستوى السياسي، فإن هذه الأزمة تكشف عن خلل أعمق في بنية الحوكمة لكيان العدو الإسرائيلي، حيث باتت القرارات الأمنية الكبرى رهينة التوازنات الائتلافية والحسابات الحزبية الضيقة، خصوصاً في ظل اعتماد الحكومات المتعاقبة على الأحزاب الدينية كعنصر حاسم في الاستقرار السياسي. هذا التداخل بين السياسي والعسكري أدى إلى شلل نسبي في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالتجنيد والخدمة الاحتياطية، وأضعف قدرة الدولة على إنتاج حلول بنيوية طويلة الأمد، مقابل الاكتفاء بإجراءات جزئية أو مؤقتة.

وبالتالي، يمكن القول إن كيان العدو يواجه اليوم أزمة مركّبة ذات أبعاد ثلاثية: عسكرية تتعلق بتآكل القوة البشرية والجاهزية القتالية، اجتماعية تتصل بتفكك نموذج “جيش الشعب” وتعمق الانقسامات الداخلية، وسياسية تعكس عجز النظام الحاكم عن التوفيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات البقاء الائتلافي. ومع استمرار الحرب وتوسع احتمالات التصعيد الإقليمي، تبدو هذه الأزمة مرشحة للتفاقم أكثر، بما يضع نموذج الكيان الإسرائيلي برمّته أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق منذ قيام ما تسمى الدولة.

المصدر: موقع المنار