السبت   
   17 01 2026   
   27 رجب 1447   
   بيروت 15:28

الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» يوقّعان اتفاقية تجارة حرّة كبرى رغم اعتراضات زراعية

توقّع دول أميركا اللاتينية الأعضاء في تكتّل «ميركوسور» والاتحاد الأوروبي، يوم السبت في باراغواي، اتفاقية لإنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرّة في العالم، وذلك بعد أكثر من 25 عامًا من المفاوضات، رغم مخاوف واعتراضات يبديها القطاع الزراعي في عدد من الدول الأوروبية.

ويمثّل التكتلان معًا نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويضمّان أكثر من 700 مليون مستهلك، ما يجعل الاتفاقية من أوسع الشراكات التجارية على مستوى العالم.

وتجري المفوضية الأوروبية محادثات بشأن هذه الاتفاقية منذ عام 1999 مع الأعضاء المؤسسين لتكتّل «ميركوسور»، وهم الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي. وفي بروكسل، أيّدت أغلبية الدول الأوروبية مؤخرًا الاتفاقية، على الرغم من معارضة بعض الدول، من بينها فرنسا.

ومن المقرر أن تُقام مراسم التوقيع عند الساعة 12:00 ظهرًا بالتوقيت المحلي (15:00 بتوقيت غرينتش) في أسونسيون، عاصمة باراغواي، التي تتولى الرئاسة الدورية للتكتل الأميركي الجنوبي، والذي انضمت إليه أيضًا بوليفيا.

وتقضي الاتفاقية بإلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية، ما يعزّز صادرات أوروبا من السيارات والآلات والنبيذ والجبن. وفي المقابل، تُسهّل استيراد لحوم الأبقار والدواجن والسكر والأرز والعسل وفول الصويا من أميركا الجنوبية إلى أوروبا، ضمن حصص معفاة من الرسوم الجمركية، وهو ما يثير قلق القطاعات الزراعية المتضرّرة.

ويرى منتقدو الاتفاقية أنها قد تُزعزع استقرار القطاع الزراعي الأوروبي، نتيجة تدفّق منتجات أرخص قد لا تلبّي بالضرورة معايير الاتحاد الأوروبي، بسبب ما يعتبرونه ضعفًا في آليات الرقابة. في المقابل، يرى المؤيدون أن الاتفاقية ستُسهم في إنعاش الاقتصاد الأوروبي المتعثّر، وتُحسّن العلاقات الدبلوماسية مع دول أميركا اللاتينية.

ويشارك في مراسم التوقيع كل من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، ورئيس باراغواي سانتياغو بينيا، ورئيس أوروغواي ياماندو أورسي، فيما لم يتم تأكيد حضور الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

ولعب الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا دورًا محوريًا في الدفع باتجاه التوصّل إلى الاتفاقية، إلا أنه لن يحضر مراسم التوقيع. وأوضح مصدر في الرئاسة البرازيلية أن المراسم كانت مخطّطًا لها في البداية على المستوى الوزاري من جانب أميركا اللاتينية، قبل أن توجه باراغواي الدعوة للرؤساء في «اللحظات الأخيرة».

وزارت فون دير لايين ريو دي جانيرو يوم الجمعة للقاء لولا، قبل توجّهها إلى أسونسيون، حيث أشادت بدوره في المفاوضات، مشددة على «قوة الشراكة والانفتاح»، وقالت: «هكذا نصنع الازدهار الفعلي».

من جهته، أثنى لولا على الاتفاق، واصفًا إياه بأنه «جيد جدًا، لا سيما للعالم الديمقراطي والتعددية»، معتبرًا أن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي «تتجاوز البعد الاقتصادي»، ومؤكدًا أن الطرفين «يتشاركان قيما مثل احترام الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان».

ويأتي توقيع الاتفاقية في ظل حالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم، بفعل سياسات الحمائية التجارية والتعريفات الجمركية التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي هدّد يوم الجمعة بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تدعم خطته لضم غرينلاند.

كما يتزامن التوقيع مع مساعٍ في أميركا الجنوبية لتقييم تداعيات إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية نفذتها قوات خاصة أميركية في الثالث من كانون الثاني/يناير، ونقله إلى الولايات المتحدة حيث لا يزال محتجزًا.

وقال رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا، في تصريحات أدلى بها في ريو دي جانيرو، إن التكتلين يوجّهان «رسالة قوية جدًا، في وقت يواجه فيه القانون الدولي تهديدًا، وفي ظل انخراط دول مثل الصين في منافسة غير عادلة في التجارة الدولية، وقيام دول مثل الولايات المتحدة برفع رسومها الجمركية».

وتواجه الاتفاقية رفضًا من المزارعين ومربي المواشي في بعض الدول الأوروبية، حيث نُظّمت تظاهرات حاشدة في فرنسا وبولندا وأيرلندا وبلجيكا احتجاجًا على توقيعها.

وفي محاولة لتهدئة غضب هذا القطاع، وضعت المفوضية الأوروبية خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من البنود والتنازلات، من بينها ضمانات معزّزة للمنتجات الأكثر حساسية. ومن المقرر تنظيم تجمع حاشد للمزارعين أمام مبنى البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في 20 كانون الثاني/يناير.

في المقابل، يبدي بعض الأطراف في أميركا الجنوبية مخاوفهم من تبعات الاتفاقية، إذ تشير تقديرات في الأرجنتين إلى أن قطاع السيارات قد يتكبّد خسارة تقارب 200 ألف وظيفة، بحسب لوسيانا غيوتو، المتخصصة في العلوم الاجتماعية في جامعة بوينس آيرس.

المصدر: أ.ف.ب.