الأربعاء   
   11 02 2026   
   22 شعبان 1447   
   بيروت 11:55

خاص | الأزمة المصرفية في لبنان: ما بين الاقتصاد الريعي وانهيار السيولة

عند باب المصرف، يقف المودع اللبناني حاملاً دفتر حسابه، لا ليسأل عن أرباح، بل عن حقهّ في سحب جزء من ماله. منذ عام 2019، تحوّل الوصول إلى الودائع إلى معركة يومية، فيما بات نقص السيولة ظاهرة عامة تمسّ الأفراد والشركات والدولة على حدّ سواء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما يعيشه اللبناني اليوم أزمة مصرفية طارئة، أم نتيجة حتمية لنموذج اقتصادي بنُي على مدى عقود؟

فالأزمة لم تبدأ مع فرض القيود غير القانونية على السحوبات، ولا مع شحّ الدولار في الأسواق، بل تعود جذورها إلى ما هو أعمق من ذلك .نموذج اقتصادي اعتمدته الدولة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، قائم على تدفقّ الرساميل من الخارج، والفوائد المرتفعة، والخدمات، بدل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.

هذا النموذج، الذي يعُرف بالاقتصاد الريعي، وفرّ للبنان استقرار اً نقدياً شكلياً لعقود، لكنه أخفى في داخله اختلالات بنيوية خطيرة. إذ بات الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على تدفقّ العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد وسداد الالتزامات، فيما تراجع دور الصناعة والزراعة والتصدير، ما أدىّ إلى عجز مزمن في الميزان التجاري، واستنزاف دائم للدولار.

ومع تراكم العجز المالي، تحوّلت المصارف من وسيط بين المدخّرين والاقتصاد الحقيقي، إلى شريك أساسي في تمويل الدولة، عبر توظيف الودائع في سندات الخزينة والهندسات المالية، مقابل فوائد مرتفعة. هكذا ،جرى ربط مصير أموال المودعين مباشرة بقدرة الدولة على السداد، من دون أي شبكة أمان إنتاجية تحمي النظام المالي عند أول اهتزاز.

ويرى الخبير الاقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة المعارف الدكتور بسام همدر، في مقابلة مع موقع المنار، أنّ ما جرى لم يكن خطًا تقنياً أو سوء إدارة ظرفي، بل نتيجة مباشرة لاعتماد نموذج اقتصادي “قصير النفس”، يقوم على إدارة الأموال، لا على خلق الثروة. ويؤكد أن ربط النظام المالي بتدفقّات خارجية غير مضمونة جعل الانهيار مسألة وقت، لا أكثر.

وبدوره يقول الدكتور حسن سرور، الخبير اقتصادي في مقابلة أيضا مع موقع المنار، أن الاقتصاد اللبناني على مدى عقود تحوّل إلى اقتصاد ريعي، حيث الفوائد المصرفية المرتفعة جداً حدتّ من أي رغبة بالاستثمار في الإنتاج المحلي، وحوّلت المصارف نفسها من وسيط مالي إلى لاعب محوري في تمويل الدولة، دون أي حماية للمودعين، مما أدى إلى دائرة مفرغة من الاستدانة والريع المالي.

عندما توقفّت تدفقّات الدولار، سقط النموذج دفعة واحدة. انكشف العجز، وتبخّرت السيولة، ودفُع المودعون إلى تحمّل كلفة انهيار لم يكونوا طرفاً في صنعه. أزمة لم تكن تقنية بقدر ما كانت نتيجة حتمية لاقتصاد قائم على الريع، لا على الإنتاج. ويشير سرور إلى أن هذا الانهيار كان متوقعاً منذ سنوات، حيث أن الاعتماد الكلي على الأموال الخارجية والفوائد المصرفية العالية جعل أي صدمة خارجية كافية لإحداث انهيار شامل.

العودة إلى الجذور

لم يكن المشهد الذي يعيشه المودع اللبناني اليوم نتيجة خلل مفاجئ في السيولة، بل خلاصة مسار اقتصادي طويل بنُي على افتراضٍ واحد: أن تدفقّ الأموال من الخارج يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. هذا الافتراض بدأ يتكرّس فعلياً منذ مطلع التسعينيات، مع نهاية الحرب الأهلية وبداية مرحلة إعادة الإعمار.

بعد اتفاق الطائف، اعتمدت الدولة اللبنانية خيار تثبيت سعر صرف الليرة كركيزة للاستقرار النقدي. وقد اعتبُر هذا التثبيت، وفق تقارير البنك الدولي، أداة لجذب الرساميل الخارجية وإعادة بناء الثقة بالاقتصاد بعد سنوات من الحرب. غير أنّ هذا الاستقرار النقدي، كما يوضح الدكتور همدر، لم يكن مدعوماً بإنتاج فعلي، بل استخُدم كبديل عن التنمية الاقتصادية، ما جعل الاقتصاد هشّاً أمام أي صدمة.

أما سرور فيرى أن تثبيت سعر الصرف بهذا الشكل ساهم في تحويل الاقتصاد إلى ريعي بامتياز، إذ استغل أصحاب المال الفوائد المصرفية المرتفعة جداً لتحقيق أرباح سريعة بدل الاستثمار في مشاريع إنتاجية حقيقية، وهو ما قتل تدريجياً القدرة التنافسية للصناعة والزراعة المحلية.

في تلك المرحلة، اختارت الدولة تمويل إعادة الإعمار عبر الدين، بدل الضرائب التصاعدية أو تحفيز الإنتاج، ما أدى إلى تضخّم الدين العام بوتيرة متسارعة. ومع ارتفاع حاجات التمويل، تحوّلت المصارف إلى المموّل الأساسي للدولة، مستفيدة من أسعار فائدة مرتفعة اعتبُرت من الأعلى عالمياً مقارنة بحجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أدىّ تثبيت سعر الصرف إلى جعل الاستيراد أقل كلفة من الإنتاج المحلي، ما أضعف القدرة التنافسية للصناعة والزراعة اللبنانية. ويشير همدر إلى أن هذا الخيار النقدي، من دون سياسات حماية للقطاعات المنتجة، ساهم في ضرب الاقتصاد الحقيقي وتعميق العجز التجاري.

ويعلق سرور أن هذا الأسلوب خلق بيئة غير مستقرة للاستثمار، إذ لم يكن بالإمكان للمستثمرين المخاطرة في الإنتاج المحلي، بينما أصبح الاعتماد على الفوائد المالية مجازفة آمنة ومربحة، فزاد ذلك من هشاشة الاقتصاد وزاد الأزمة تعقيدًا.

المصارف والدولة: المحرّك والضحية

على مدى عقود، لعبت المصارف اللبنانية دوراً حاسماً في ترسيخ النموذج الريعي، محوّلة نفسها من وسيط مالي إلى مستفيد مباشر من الفوائد المرتفعة. فمنذ التسعينيات، جرى توظيف الجزء الأكبر من ودائع اللبنانيين في تمويل الدين العام، بدل توجيهها نحو الاقتصاد المنتج.

ويشرح الدكتور همدر أن العلاقة بين المصارف والدولة تحوّلت إلى علاقة تبادلية مغلقة: الدولة تحتاج التمويل، والمصارف تحتاج أرباحاً مضمونة، فيما غاب أي اعتبار لحقوق المودعين أو لمخاطر هذا النموذج على الاستقرار المالي. ويؤكد أن إعادة التوازن بين الطرفين لا يمكن أن تتم من دون تحميل الدولة والمصارف مسؤوليات واضحة، وحماية الودائع كأولوية، لا كخيار.

أما سرور فيشير الى أن هذه العلاقة المغلقة جعلت المواطن العادي يدفع الثمن، حيث استثُمرت أمواله في أدوات مالية وعوائد مرتفعة، بينما لم يحصل على أي حماية حقيقية أو استثمار يعود بالنفع على الاقتصاد المحلي.

هذا الترتيب أدىّ إلى تراجع السيولة في الأسواق، وانكماش الاقتصاد الحقيقي، وضرب قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار، ما عمّق الأزمة الاجتماعية والمعيشية. ويشير سرور إلى أن الحل يتطلب إصلاح اً جذرياً في العلاقة بين الدولة والمصارف، مع تحميل كل طرف مسؤولياته، وإعادة هيكلة المصارف لتصبح محركاً اقتصادياً وليس فقط مركز ربح.

السياسات التي كرّست الريع

بعد أن أصبح الوصول إلى الودائع معركة يومية، لا يمكن فهم الأزمة من دون العودة إلى السياسات التي كرّست الاقتصاد الريعي. فالدولة، بحسب همدر، شجّعت الإيداع المصرفي بدل الاستثمار المنتج، عبر فوائد مرتفعة غير طبيعية، ما حوّل المصارف إلى مركز جذب للمال لا إلى محرّ ك للتنمية.

فيما يؤكد سرور أن هذه السياسات خلقت طبقة من المغامرين والمستثمرين الذين اعتمدوا على المكاسب السريعة عبر الفوائد المصرفية، وهو ما أضعف أي مشروع إنتاجي طويل الأمد، وحوّل الاقتصاد اللبناني إلى ريعي بالكامل، بعيداً عن الإنتاج المحلي والقيمة المضافة.

ويضيف أن غياب الرؤية الاقتصادية جعل من الدولار سلعة نادرة، لا نتيجة ضعف الإنتاج فقط، بل بسبب غياب أي استراتيجية لتأمينه محلياً عبر التصدير والصناعة. وهكذا، أصبح سعر الصرف مرآة مباشرة لفشل السياسات الاقتصادية، لا مجرد مسألة نقدية.

الدولار وميزان المدفوعات

أدىّ هذا النموذج إلى عجز دائم في ميزان المدفوعات، وزيادة الاعتماد على الخارج لتأمين الدولار. ويؤكد همدر أن ضعف التصدير وغياب الصناعات القادرة على خلق عملة صعبة جعلا أي أزمة سياسية أو مالية خارجية تتحوّل فوراً إلى أزمة سيولة داخلية، ما يفسّر سرعة الانهيار وحدتّه.

بينما يعتقد سرور أن هذا الاعتماد الكلي على الأموال الخارجية يجعل الاقتصاد اللبناني حساساً لأي تقلبات إقليمية أو عالمية، وأن أي صدمة خارجية تترجم فوراً إلى أزمة داخلية حادة على المستوى المالي والمعيشي.

أرقام حقيقية تعكس عمق الخلل في الاقتصاد اللبناني

تشير البيانات الرسمية والتحليلات الاقتصادية إلى أن لبنان يعاني من اختلال هيكلي شديد في ميزان التجارة الخارجية، وهو ما يشكّل أحد أهم أسباب هشاشة الاقتصاد وتفاقم أزمة السيولة. وفق أرقام إدارة الجمارك اللبنانية، بلغ العجز في الميزان التجاري لعام 2024 نحو 14.2 مليار دولار، مقابل صادرات ضعيفة لا تتجاوز 2.7 مليار دولار، في حين تفوق واردات السلع 16.9 مليار دولار، ما يعكس فجوة واسعة بين ما يستورده البلد وما ينتجه ويصدرّه.

هذه الفجوة في التجارة الخارجية تعني أن لبنان يستورد بأضعاف ما يصدرّ، مما يزيد الاعتماد على التمويل الخارجي وتدفقات العملات الأجنبية لتغطية العجز، بدلاً من خلق موارد نقدية من الإنتاج المحلي.

باختصار، لا يزال الاقتصاد اللبناني يعاني من عجز تجاري كبير، ونظام يعتمد على موارد خارجية أكثر مما ينتج داخلياً، ما يزيد ضعف السيولة ويعمّق الأزمة المالية والاقتصادية.

الفجوة المالية وقانون الحكومة لمعالجتها

وسط انهيار النظام المالي وتراجع السيولة، شكّلت الفجوة المالية أحد أبرز التحديات التي تواجه لبنان، وهي الفارق الكبير بين حقوق المودعين والالتزامات المسجلة في ميزانيات المصارف والدولة. وبسبب هذا الفارق الكبير، أصبح النظام لا يقوى على تسديد كامل ودائع المواطنين، ما دفع إلى البحث عن إطار قانوني لتوزيع الخسائر بطريقة “مُنظمة”، بدلاً من تركها تضيع كلياً في السوق.

في نهاية عام 2025، أقرّت الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية بهدف وضع هذه الخسائر في هيكل قانوني رسمي، يحدد مسؤوليات كل طرف ويمنع أي اجتهادات أحادية الجانب قد تضاعف عِقاب الأزمة على فئات معينّة من اللبنانيين. القانون الذي صوّت عليه مجلس الوزراء يقسم الخسائر بين الدولة، والمصرف

المركزي، والمصارف التجارية، والمودعين، في محاولة لضمان أن يكون توزيع الخسائر ليس عشوائياً، بلمشروطًا بقواعد محددة وفق ما أعلنت الحكومة نفسها.

ويشددّ الدكتور همدر على أن تحميل المودعين الخسائر لا يمكن أن يشكّل حلاً مستداماً، بل هو تأجيل للأزمة إذا لم يترافق مع إصلاح جذري للنموذج الاقتصادي. فالفجوة المالية، برأيه، ليست رقماً محاسبياً، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية واضحة يجب الاعتراف بها ومحاسبة المسؤولين عنها.

بحسب موازانات الحكومة، يشمل القانون آلية تتُيح للمودعين الذين تقل ودائعهم عن مستوى معينّ )الكثير منهم ممن يعتمدون على مدخراتهم للمعيشة( فرصة للحصول على جزء من أموالهم بشكل أفضل مما لو ترُك الوضع بلا أي إطار تنظيمي. أما أصحاب الودائع الكبيرة، فتتضمن الآلية تعويضات عبر سندات طويلة الأمد مدعومة بأصول المصرف المركزي، بحيث تتوازن الحاجة إلى حماية المودعين مع محاولة الحفاظ على استقرار النظام المالي عموم اً.

رئيس الحكومة وصف القانون بأنه “خطوة عملية نحو ضبط الخسائر وإعادة توازن القطاع المالي”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القانون لا يشكّل حلاً نهائياً بحد ذاته، بل بداية مرحلة جديدة من التحوّلات المطلوب تنفيذها بالتزامن مع إصلاحات هيكلية أوسع.

ومع ذلك، أثار القانون جدلًا في أوساط المودعين والاقتصاديين، إذ يعتبره البعض “حلاً تراكمي اً” قد يؤجّل الكارثة، لكنه لا يعالج الجذر الحقيقي للأزمة، وهو النموذج الاقتصادي نفسه الذي جعل النظام المالي هشًّا منذ البداية. بينما يرى آخرون أن القانون على الأقل يمنع التوزيع الفوضوي للخسائر، ويضع أسسًا قانونية لتقاسم الخسائر بشكل يسمح بتخفيف العبء عن الفئات الأكثر ضعفاً.

في المحصلة، يعُد قانون الفجوة المالية محاولة أوليّة من جهة رسمية للكشف عن الخسائر ومواجهتها ضمن قواعد قانونية، لكنه في الوقت نفسه خطوة انتقالية تتطلب سياسات إضافية ودائمة للحماية الاجتماعية، ودعم الإنتاج المحلي، وإعادة هيكلة المصارف بما يضمن عدم تكرار الأزمة نفسها في المستقبل.

المقارنة الدولية والمستقبل

لبنان لم يفُلس فجأة. ما انهار هو نموذج ريعي عاش على تدفقّ الرساميل، والتحويلات، والاستدانة، من دونأن يبني قاعدة إنتاجية تحميه عند أول اهتزاز. ومع تغيرّ المناخ الإقليمي والدولي، وتراجع قدرة الخارج على ضخّ الدولارات، سقطت الركيزة الأساسية التي قام عليها الاستقرار النقدي لعقود.

هذا المسار لا يمكن قراءته بمعزل عمّا يجري في الإقليم. فلبنان، بحكم موقعه السياسي والاقتصادي، يتأثرّ مباشرة بالصراعات الإقليمية، والعقوبات، والتحوّلات في موازين القوى. أي تشديد مالي أو توتر سياسي في المنطقة ينعكس فوراً على ميزان المدفوعات، وعلى قدرة الدولة والمصارف على تأمين الدولار، ما يجعل الاقتصاد اللبناني مكشوفاً بالكامل، كما لا يمكن الا إيراد الفساد كأحد أسباب الإنهيار بما يحمله من إنفاق سياسي ومحاصصة وتوظيف عشوائي.

من هنا، لم يكن انهيار ميزان المدفوعات مجرّد رقم سلبي، بل إعلاناً عملياً عن انتهاء مرحلة. فاقتصاد يستورد أكثر مما ينتج، ويستهلك أكثر مما يصدرّ، لا يمكنه الاستمرار من دون تمويل خارجي دائم. ومع انقطاع هذا التمويل، انتقلت الأزمة من المصارف إلى المجتمع، ومن الأرقام إلى لقمة العيش.

ولفهم خطورة ما جرى في لبنان، لا بد من التوقف عند تجارب دول أخرى سلكت مساراً مشابهاً. ليس من باب المقارنة الشكلية، بل لاستخلاص العِبر.

في قبرص، تمددّ القطاع المصرفي إلى ما يفوق حجم الاقتصاد الحقيقي، معتمداً على ودائع خارجية

واستثمارات عالية المخاطر. وعندما اهتزّت الثقة، لم تترددّ الدولة في فرض اقتطاعات على الودائع، باعتبار أن حماية النظام المالي لا يمكن أن تقوم على حساب المجتمع بأكمله. الرسالة كانت واضحة: المصارف ليست فوق الاقتصاد.

أما اليونان، فقد دفعت ثمن نموذج قائم على الاستدانة لتمويل الدولة، من دون إنتاج كافٍ. وحين انفجرت الأزمة، فرُضت برامج تقشّف قاسية، حُمّلت كلفتها للناس، فيما أعُيد ترتيب النظام المالي تحت وصاية دولية مباشرة.

وفي الأرجنتين، كشف انهيار ربط العملة بالدولار حقيقة نموذج نقدي هشّ، عاش سنوات من الاستقرار الوهمي، قبل أن ينهار دفعة واحدة، مبددّاً مدخّرات المواطنين، ومؤكداً أن تثبيت سعر الصرف بلا إنتاج هو تأجيل للانفجار لا أكثر.

ما يجمع هذه التجارب بلبنان هو نموذج اقتصادي قصير النفس، يقوم على المال لا على العمل، وعلى الريعلا على الإنتاج. لكن الفارق أن لبنان، حتى اليوم، لم يحسم خياره بالخروج من هذا النموذج، بل ما زال يدور في فلكه، عبر سياسات تعُيد توزيع الخسائر من دون معالجة الأسباب.

ويخلص الخبراء إلى أن أي إصلاح مالي لا يمكن أن ينجح من دون تغيير جذري في النموذج الاقتصادي، عبر دعم الإنتاج، وتحفيز التصدير، وبناء اقتصاد قادر على خلق الدولار في الداخل، لا انتظار وصوله من الخارج. عدا عن أهمية اعتماد الشفافيّة ومعيار الكفاءة في دولة تقوم على المواطنة بدل اغراق القطاع العام بآفات الطائفية السياسية والمحسوبيات

الخاتمة

في المحصّلة، لبنان لا يواجه مجرد أزمة سيولة، بل يواجه انهيار نموذج اقتصادي كامل انتهت صلاحيته.

نموذج أدار المال بدل أن يبني اقتصاداً حقيقياً، وترك المجتمع يواجه النتائج وحيداً، بين هشاشة النظام المالي وتراكم الديون. لقد أثبتت السنوات أن الاعتماد على الريع والفوائد المصرفية لا يخلق استقرارًا مستدامًا، بل يولدّ هشاشة ويؤجّل الانهيار المحتوم.

السؤال اليوم صار واضحًا: هل سيجرؤ لبنان على تغيير هذا النموذج الذي أفلس، أم سيكتفي بتمديد عمره على حساب الناس؟ الحل المستدام يتطلب إصلاحًا جذرياً: حماية المودعين، إعادة بناء الثقة بالمصارف ،إعادة توجيه الأموال نحو الإنتاج الحقيقي، وتأسيس اقتصاد قادر على خلق الثروة محلياً لا انتظار تدفقات خارجية. والأهم الإستقلال الإقتصادي بعيدا عن أوامر السفارات والصناديق الدولية ومنعه من استثمار ثرواته

بدون هذه الخطوات، سيبقى الاقتصاد اللبناني رهين الاعتماد على الخارج، والمجتمع ضحية مستمرة لأزمات متكررة.

المصدر: موقع المنار