الأحد   
   29 03 2026   
   9 شوال 1447   
   بيروت 02:08

اليمن يدخل المواجهة.. تحوّل استراتيجي نحو “وحدة الجبهات”

يشكّل إعلان القوات المسلحة اليمنية وقوف اليمن إلى جانب محور المقاومة، مع تحديد خطوات للدخول في الحرب، تطورًا نوعيًا يرتبط بسلوك كل من الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة المواجهة.

ويأتي هذا الإعلان في سياق تقدير يمني بأن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي لن يلتزما بما ورد في البيانات السياسية، ما يدفع صنعاء إلى الاستعداد للانتقال إلى مرحلة المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية، حيث باتت، وفق المعطيات المعلنة، على قاب قوسين أو أدنى من استخدام القوة المسلحة وأدوات القتال.

ويُدرج هذا التوجه ضمن تحوّل استراتيجي أوسع في بنية الصراع، إذ انتقل محور المقاومة من مفهوم “وحدة الساحات” في إطاره الفكري والسياسي النظري، إلى مفهوم “وحدة الجبهات” على المستوى العملي، بما يعني أن المواجهة لم تعد منفصلة جغرافيًا، بل باتت مترابطة ومتشابكة، في إطار قتال جماعي على امتداد أكثر من ساحة.

ويمثّل الإعلان اليمني خطوة أولى تتضمن مجموعة من الإجراءات والشروط للدخول الفعلي على خط الحرب، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من موقع الدعم إلى موقع الفعل المباشر، في ظل استعدادات ميدانية وسياسية متكاملة.

ومن شأن دخول اليمن على خط المواجهة أن يعقّد المشهد أمام الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، خصوصًا في ظل ما تمتلكه صنعاء من أوراق قوة جيوسياسية، وفي مقدمتها الإشراف على البحر الأحمر وبحر العرب وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهو ما يمنحها قدرة مؤثرة على حركة الملاحة العسكرية ويحدّ من هامش المناورة البحرية للخصوم.

كما أن هذه السيطرة تمتد إلى تأثيرات مباشرة على طرق الإمداد البحرية، بما يقيّد التحركات العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن اليمن سبق أن وسّع نطاق عملياته ليطال المحيط الهندي، ما يعزز من ترابط الجبهات البحرية بين بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر.

وتعني هذه المعادلات، وفق التقديرات، أن طوق الضغط على حركة الملاحة العسكرية قد يكتمل أو يقترب من الاكتمال، في حال انخراط اليمن بشكل كامل في مسرح العمليات، ما يرفع من مستوى التأثير الاستراتيجي لهذا الدخول.

في هذا السياق، برز بيان القوات المسلحة اليمنية كإعلان مرحلة جديدة في مسار المعركة، عاكسًا تحوّلًا نوعيًا في الدور اليمني من موقع التفاعل إلى موقع المبادرة، ضمن معركة مفتوحة تتداخل فيها الجبهات وتتشابك فيها المصالح الإقليمية.

ويؤكد البيان انتقال زمام المبادرة إلى يد القوات المسلحة اليمنية، مع تحديد منطلقات التحرك المرتبطة بطبيعة المرحلة وحجم التحديات، في إطار ما وُصف بأنه مواجهة مستمرة مع “العدو الأمريكي الصهيوني”، في سياق مشروع يستهدف إعادة تشكيل المنطقة وإخضاعها للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.

ويتمثل هذا المشروع، بحسب الرؤية المطروحة، في ما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد”، وهو ما يتقاطع مع تصاعد العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، والتصعيد المستمر في لبنان والعراق، إضافة إلى عدم الالتزام بالاستحقاقات الإنسانية في غزة.

وتشير هذه التطورات إلى استمرار المعركة مع هذا المحور، الذي يسعى، وفق التقديرات، إلى تفكيك جبهات محور المقاومة والتعامل مع كل جبهة على حدة، باعتبارها العائق الأساسي أمام تنفيذ مشروعه الإقليمي.

وفي المقابل، أكدت القوات المسلحة اليمنية ضرورة استجابة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي للجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف العدوان على إيران، ولبنان، والعراق، إلى جانب تنفيذ الالتزامات الإنسانية في غزة، بما يعكس رؤية قائمة على وحدة المعركة وتكاملها.

كما شدد البيان على أن مواجهة هذا المشروع تمثل واجبًا على مستوى الأمة الإسلامية، في إطار تأكيد واحدية المعركة ووحدة المشروع في مواجهة التحديات القائمة.

وفي ما يتصل بالمحددات الميدانية، أعلن البيان استعداد القوات المسلحة اليمنية للتدخل العسكري المباشر، مع التأكيد على أن “اليد على الزناد”، في حال استمرار التصعيد ضد إيران ومحور المقاومة، أو استخدام البحر الأحمر في عمليات عدائية، أو تشديد الحصار على اليمن، أو تصاعد وتيرة العمليات العسكرية في المنطقة.

ويعكس هذا الطرح وضع قواعد اشتباك جديدة، تربط التدخل العسكري بمجموعة من الشروط المرتبطة بتطورات الميدان، بما يعزز من مرونة القرار العملياتي وقدرته على التكيّف مع مسارات التصعيد.

بالتوازي، يشهد المشهد الإقليمي تصعيدًا متزايدًا من قبل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي تجاه إيران، يترافق مع تهديدات باستهداف منشآت الطاقة وعمليات إنزال بري، إضافة إلى استمرار التصعيد في لبنان، حيث استُهدفت جسور تربط منطقة الليطاني بجنوب البلاد، في سياق محاولات عسكرية ميدانية.

كما يتواصل العدوان على العراق، إلى جانب استمرار الجرائم في غزة بمختلف أشكالها، ما يعزز من ترابط ساحات المواجهة وتداخلها.

في ضوء ذلك، تؤكد القوات المسلحة اليمنية جاهزيتها الكاملة، وامتلاكها أدوات ردع فعالة، خصوصًا في المجالين الصاروخي والبحري، في ظل إدراك الخصوم لأهمية الجبهة اليمنية وتأثيرها في هذه المرحلة الحساسة.

ويمتد تأثير هذه الجاهزية إلى البعد الجيوسياسي، حيث يشكل تفعيل الجبهة اليمنية عنصر ضغط كبير، سواء من خلال الموقع الجغرافي أو عبر القدرات العسكرية التي راكمتها صنعاء خلال الفترة الماضية.

وفي المحصلة، يعكس البيان اليمني تموضعًا جديدًا لليمن كفاعل مركزي في معادلة الصراع، مع انتقاله إلى دور أكثر تأثيرًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة، والمساهمة في صياغة توازنات الردع الإقليمية، في ظل تصعيد مفتوح مرشح لمزيد من التعقيد وتداخل الجبهات.

المصدر: المسيرة نت