الخميس   
   15 01 2026   
   25 رجب 1447   
   بيروت 11:53

دراسة | الإزدهار المعلن والفقر الصامت.. الواقع المعيشي للإيرانيين في عهد الشاه

شكّل عهد محمد رضا شاه بهلوي (1941–1979) مرحلة مفصلية في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لإيران، اتسمت بتناقضات حادة بين التحديث السريع من جهة، وتدهور الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من المجتمع من جهة أخرى.

فعلى الرغم من المؤشرات الكلية التي عكست معدلات نمو مرتفعة، وتوسعًا في البنية التحتية، وطفرة نفطية غير مسبوقة، كشف الواقع اليومي لغالبية الإيرانيين، ولا سيما في الريف والمناطق الحضرية الفقيرة، عن اختلالات عميقة في توزيع الثروة، وتفاوت اجتماعي متزايد، وهشاشة اقتصادية متنامية.

تعرض هذه الدراسة من اعداد مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير، أبرز سمات الوضع المعيشي للشعب الإيراني خلال عهد الشاه، مع تقديم أمثلة توضح الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وتأثير السياسات الحكومية على مختلف طبقات المجتمع.

أولًا: الفجوة بين نمو الاقتصاد والفقر الشعبي

شهدت إيران، خصوصًا منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، معدلات نمو اقتصادي مرتفعة ترافقت مع العائدات المتزايدة من النفط، ولا سيما بعد طفرة الأسعار في أوائل سبعينياته، إثر حرب أكتوبر 1973، ما أدى إلى تضاعف أرباح البلاد السنوية من نحو 5 مليارات دولار إلى قرابة 19 مليار دولار خلال أشهر قليلة. وقد مكّنت هذه الموارد الدولة من إطلاق مشاريع ضخمة في مجالات الصناعة الثقيلة، والبنية التحتية، والتسليح، والتمدين السريع.

وعلى الرغم من هذا النمو الكبير، لم يستفد معظم الإيرانيين من هذه الزيادة، ولا سيما الفلاحون والطبقة العاملة الحضرية، إذ اقتصر النمو الاستثنائي على قطاعات محدودة، بينما بقيت قطاعات أساسية خارج قطاع النفط، مثل الزراعة والحرف اليدوية وصناعة السجاد، تعاني التهميش.

وترافق ذلك مع فساد واسع النطاق، ظهر بشكل جلي في مناسبات رسمية، من بينها احتفالات برسيبوليس أو «مدينة الفرس» عام 1971 بمناسبة مرور 2500 عام على «تأسيس الإمبراطورية الفارسية»، والتي قُدّرت تكلفتها بنحو 300 مليون دولار.

واتخذ هذا النمو طابعًا ريعيًا مركزيًا، اعتمد على الدولة بوصفها الموزّع الرئيسي للثروة، من دون بناء قاعدة إنتاجية متوازنة أو إدماج فعلي لغالبية السكان في عملية التنمية. وانعكس هذا الخلل في ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للأجور، لا سيما في المدن، حيث عانى الموظفون والعمال وصغار الكسبة من غلاء المعيشة المتسارع مقابل دخل ثابت.

كما أدى التركيز على مشاريع ضخمة وعالية التكلفة إلى اتساع فجوة التنمية بين قطاع الدولة والقطاع النفطي من جهة، والقطاعات الزراعية والحرفية التقليدية من جهة أخرى.

ثانيًا: فشل الإصلاحات الزراعية

أطلق الشاه في مطلع الستينيات برنامج «الثورة البيضاء» بوصفه مشروعًا تحديثيًا شاملًا، وكان الإصلاح الزراعي ركيزته الأساسية. استهدف هذا الإصلاح تفكيك نظام الملكيات الكبرى، وإنهاء الإقطاع التقليدي، وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، بهدف خلق طبقة من صغار المزارعين الموالين للملكية. وعلى المستوى الشكلي، استفاد أكثر من 60% من الأسر الريفية من عملية التوزيع، ما أدى إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية في الريف.

غير أن النتائج المعيشية جاءت متباينة، إذ كانت مساحات واسعة من الأراضي الموزعة صغيرة وغير كافية للإعالة، في ظل غياب دعم مالي وتقني حقيقي للفلاحين الجدد، مثل الإرشاد الزراعي، والائتمان، والبنية التحتية المائية.

كما أدت الطبيعة الفوقية للإصلاح، المرتبطة بتعزيز سلطة الدولة أكثر من تمكين الريف، إلى نشوء فئة من الفلاحين الصغار الهشّين اقتصاديًا، إلى جانب استمرار وجود شريحة من العمال الزراعيين المعدمين.

وفي المناطق الخصبة والمروية، نشأت مشاريع زراعية رأسمالية كبيرة، بينما بقيت مناطق أخرى رهينة زراعة معيشية محدودة الإنتاج. وبذلك، لم يؤدّ الإصلاح الزراعي إلى تحسين شامل في مستوى المعيشة الريفية، بل أوجد تمايزًا داخليًا بين فئات ريفية متفاوتة الحظوظ، وأسهم في تعميق شعور عدم العدالة لدى الفئات الأقل استفادة، ما راكم الاستياء الشعبي على المدى الطويل.

ثالثًا: التحضّر السريع وتأثيره على المجتمعات الريفية

أسهم تفكك الاقتصاد الريفي، إلى جانب الجاذبية الرمزية للمدينة الحديثة، في تسريع النزوح من الريف نحو المراكز الحضرية. وخلال جيل واحد، انتقلت إيران من مجتمع يغلب عليه الطابع الريفي إلى مجتمع حضري صناعي ظاهريًا. ومع توسع مدن كبرى مثل طهران وأصفهان، ظهرت أحياء عشوائية تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، من طرق وصرف صحي وكهرباء.

وأدى ذلك إلى توسع سريع للأحياء الفقيرة، وازدياد البطالة المقنّعة، وظهور فئات واسعة من العمالة الهشّة والعاطلين عن العمل، خصوصًا بين الشباب والنازحين الجدد من الريف.

وفي حين استفادت الطبقات المرتبطة بالدولة والقطاع النفطي من فرص التعليم والتوظيف، بقيت هذه الفئات على هامش النمو، تعاني ضغطًا معيشيًا متصاعدًا وشعورًا بالإقصاء الاجتماعي، ما أسهم في ارتفاع منسوب السخط الشعبي تجاه الدولة والنظام.

رابعًا: التفاوت الاجتماعي وبروز الطبقة الوسطى المحدودة

أفضت سياسات الشاه إلى نشوء طبقة وسطى مرتبطة مباشرة بالإدارة الحكومية، والتعليم الحديث، والقطاع التقني، غير أن هذه الطبقة بقيت محدودة الحجم ومشروطة بالولاء للنظام. وفي المقابل، اتسعت الفجوة بينها وبين بقية المجتمع في الريف والمدن، حيث لم يشمل النمو الاقتصادي والاستثمارات هذه الفئات على نحو متكافئ.

وتميّز هذا التفاوت ليس فقط في الدخل، بل في الوصول إلى التعليم والخدمات والفرص الاجتماعية، إذ أصبحت الملكية والقرب من مؤسسات الدولة عاملين حاسمين في تحسين فرص الصعود الاجتماعي، بينما بقيت العائلات المعدمة محاصرة في دوائر الفقر عبر الأجيال.

وأظهرت الدراسات لاحقًا أن أحفاد الأسر الريفية المالكة للأرض قبل الثورة حققوا مستويات تعليمية أعلى بكثير من نظرائهم في الأسر التي لم تمتلك أراضي، ما يعكس الأثر العميق للملكية التاريخية في تشكيل الفرص الاجتماعية والاقتصادية.

كما برزت خلال هذه المرحلة فئة من الفلاحين الوسطيين الذين احتفظوا ببعض الامتيازات، في حين استمر الفقراء بلا أرض، ما ساهم في ترسيخ بنية اجتماعية غير متساوية ومعقدة، تجاوزت الجغرافيا الريفية لتطال المدن أيضًا.

خامسًا: القمع السياسي وأثره على الحياة المعيشية

إلى جانب التحديات الاقتصادية، تفاقم القمع السياسي والاجتماعي في عهد الشاه، حيث كانت فرص المشاركة السياسية محدودة للغاية. وتعرّضت أحزاب المعارضة، مثل الجبهة الوطنية التي ضمت قوميين ورجال دين ويساريين غير شيوعيين، وحزب توده الموالي للاتحاد السوفييتي، للتهميش والحظر. وغالبًا ما قوبلت الاحتجاجات بالرقابة والمراقبة والمضايقة، وانتشر الاعتقال غير القانوني والتعذيب.

ولم يكن القمع مسألة سياسية مجردة، بل كان له أثر مباشر على الحياة الاقتصادية، إذ حرم المجتمع من آليات التصحيح والمساءلة، وسمح بتفشي الفساد وسوء الإدارة، ما فاقم الأعباء المعيشية اليومية على المواطنين. كما أدى غياب المشاركة إلى تعميق الإحباط الشعبي، لا سيما حين اقترن التدهور المعيشي بخطاب رسمي يحتفي بالتقدم والحداثة، ما خلق فجوة نفسية واجتماعية بين الدولة والمجتمع.

وإلى ذلك، أضفى اعتماد الدولة على الولايات المتحدة في السياسات الاقتصادية والدفاعية شعورًا بالسيادة المنقوصة، فزاد من حدة الاحتقان الشعبي تجاه التدخلات الأجنبية.

خاتمة

تُظهر دراسة الأوضاع المعيشية والاقتصادية للإيرانيين في عهد الشاه مفارقة بنيوية عميقة بين مؤشرات النمو السريع ومحدودية الأثر الاجتماعي لهذا النمو. فقد ترافق التوسع الاقتصادي مع اختلال واضح في توزيع الثروة والفرص، بحيث بقيت مكاسب الحداثة محصورة في شرائح ضيقة، بينما واجهت الغالبية أوضاعًا معيشية هشّة وضغوطًا متزايدة في الريف والمدن على السواء.

ورغم المظاهر اللافتة لدولة حديثة آخذة في الصعود، ببنى تحتية متطورة ومؤسسات تعليمية وقدرات عسكرية متقدمة، جاء مسار التحديث متسارعًا ومنفصلًا عن البنية الاجتماعية، ومجردًا من آليات العدالة والاندماج. وأُدير هذا التحديث بوصفه أداة لترسيخ مركزية السلطة وضبط المجتمع، لا كعملية تراكمية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين.

ونتيجة لذلك، تحوّلت الحداثة من وعد بالتحرّر الاجتماعي إلى عامل فرز طبقي وتفاوت بنيوي، ما أفضى إلى تآكل الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بوعودها، وتنامي شعور عام بالإقصاء وانسداد الأفق، تجلّى بوضوح في موجات الاحتجاج الواسعة قبيل عام 1979.

للاطلاع على الدراسة كاملة، اضغط هنا.

المصدر: مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير