السبت   
   02 05 2026   
   14 ذو القعدة 1447   
   بيروت 11:34

العدوان على إيران يضع الاقتصاد الأميركي تحت الضغط ويكشف تراجعًا في النفوذ السياسي لترامب

في خضمّ التصعيد مع إيران، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على تحمّل الكلفة الاقتصادية. فبحسب وكالة «رويترز»، فإن تحكّم طهران بمضيق هرمز أدّى إلى صدمة في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والتضخّم داخل الولايات المتحدة، ما وضع الرئيس دونالد ترامب أمام ضغط داخلي متزايد.

ويكشف هذا الواقع أن الاقتصاد، الذي شكّل حجر الأساس في خطابه السياسي، بات اليوم نقطة ضعفه الأكثر حساسية، خاصة مع تزايد المخاوف من ركود عالمي وتأثّر قطاعات أساسية كالنقل والزراعة.

وذكرت «رويترز» أن الإدارة الأميركية أخطأت في تقدير طبيعة الرد الإيراني، إذ توقعت عملية محدودة وسريعة، لكنها فوجئت بقدرة طهران على فرض كلفة اقتصادية عالمية عبر استهداف إمدادات الطاقة. هذا الخلل في التقدير الاستراتيجي لم ينعكس فقط على مسار الحرب، بل على صورة القيادة الأميركية نفسها، حيث بدت القرارات أقرب إلى ردود فعل متسرّعة منها إلى استراتيجية طويلة الأمد.

في الداخل الأميركي، لم يمر هذا الارتباك دون تداعيات سياسية. فبحسب موقع «أكسيوس»، واجه ترامب تراجعًا ملحوظًا في قدرته على فرض الانضباط داخل حزبه، بعدما تمرّد عدد من الجمهوريين في الكونغرس على توجهاته في ملفات حساسة.

ويعكس هذا التراجع تحوّلًا في سلوك النواب، الذين باتوا يقدّمون حساباتهم الانتخابية ومصالح دوائرهم على الالتزام بقرارات البيت الأبيض، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها الناخب الأميركي.

وكتبت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن قضايا الأمن القومي، مثل برامج المراقبة، كشفت انقسامًا عميقًا داخل الحزب الجمهوري، حيث لم تعد القيادة قادرة على توحيد الصف كما في السابق. ولم يعد هذا الانقسام تفصيلًا عابرًا، بل بات مؤشرًا على تراجع قدرة الإدارة على تمرير سياساتها، حتى في القضايا التي كانت تُعتبر تقليديًا محل إجماع داخل الحزب.

ومع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بدأت آثار الحرب تنعكس على القاعدة الشعبية لترامب، بما في ذلك بعض أنصاره التقليديين. وتشير تحليلات نقلها موقع «أكسيوس» إلى أن جزءًا من تحالفه السياسي بات يُظهر تململًا واضحًا، خاصة مع تضرّر فئات مثل المزارعين وارتفاع تكاليف المعيشة. ويضع هذا التحوّل أحد أهم مصادر قوته، وهو الدعم الشعبي المرتبط بالأداء الاقتصادي، أمام اختبار صعب.

على المستوى الدولي، لم تكن التداعيات أقل خطورة. فبحسب «رويترز»، أعرب دبلوماسيون أوروبيون عن قلقهم من أن الإدارة الأميركية تتجه نحو اتفاق سريع مع إيران لتحقيق إنجاز سياسي، دون معالجة الجذور العميقة للأزمة. كما أشاروا إلى تهميشهم في مسار التفاوض، رغم دورهم الأساسي في الاتفاق النووي السابق، ما يعكس تراجع التنسيق مع الحلفاء ويثير الشكوك حول موثوقية واشنطن.

وأضافت «رويترز» أن المخاوف لا تتعلق فقط بإمكانية التوصل إلى اتفاق، بل بنوعيته، إذ حذّر دبلوماسيون من أن اتفاقًا أوليًا ضعيفًا قد يؤدي إلى سنوات من التعقيدات التقنية والسياسية.

وفي السياق، أشارت الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن المشترك في الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني إلى أن التوصل إلى اتفاق نووي استغرق أكثر من عقد من العمل، متسائلة كيف يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة، في إشارة إلى استعجال الإدارة الأميركية.

هذا النهج، الذي يجمع بين التصعيد العسكري والتراجع السريع نحو التفاوض، عزّز صورة إدارة غير مستقرة في نظر الحلفاء. وبحسب تحليلات غربية، بدأت دول في أوروبا وآسيا بإعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة، في وقت يراقب فيه خصومها هذه التحوّلات لاستخلاص نقاط الضعف، خصوصًا في ما يتعلق بحساسية القرار الأميركي للضغوط الاقتصادية.

ومن جهته، قال الدكتور غسان ملحم، المتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في مقابلة مع موقع «المنار»، إن «ما بعد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وكذلك على لبنان، يشير إلى تغيّرات بنيوية عميقة في المنطقة وعلى امتداد الإقليم».

وأضاف ملحم أن هذه التحوّلات تعكس «محدودية القوة الأميركية وكذلك الإسرائيلية، لجهة عدم القدرة على إسقاط تجربة الثورة والجمهورية في إيران، ولا القضاء على تجربة المقاومة في لبنان».

وتابع أن قدرة إيران على الصمود أولًا، ثم على خوض المواجهة بما تملكه من أوراق قوة، ولا سيما القدرات الصاروخية وإحكام السيطرة على مضيق هرمز، أدّت إلى إعادة خلط الأوراق في المنطقة. وختم بأن هذه التطورات «أطاحت بقواعد اللعب والتوازنات التي كانت قائمة، وفرضت معادلات جديدة في النظام الإقليمي».

في المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد صراع خارجي. فبحسب «رويترز» وموقع «أكسيوس»، لم تعد المشكلة في نتائج الحرب فقط، بل في ما أظهرته من ثغرات داخلية في الإدارة الأميركية، من أخطاء التقدير إلى تراجع النفوذ السياسي والانقسام الحزبي. وبينما يسعى دونالد ترامب إلى تحقيق إنجاز سريع، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرته على استعادة السيطرة داخليًا وخارجيًا، في ظل ضغوط تتزايد يومًا بعد يوم.

المصدر: موقع المنار