بقلم: عبدالله البحراني (كاتب بحريني)
في بيروت، لا يحتاج الغائب دائمًا إلى صورة كي يحضر. يكفي أن يُذكر اسمه في مجلس، أو أن يُعاد بث مقطع قديم من خطاباته، حتى يبدو كأن الرجل الرمز يعود إلى المكان، ولو للحظات. بعض القادة يرتبطون بمرحلة إلى درجة أن غيابهم لا ينهي حضورهم، بل يغيّر شكله. وفي ذكرى الغياب، يعود السؤال نفسه: ماذا لو كان السيد حسن نصرالله بيننا اليوم؟
ليس السؤال محاولة لاستدعاء من رحلوا لأن فكرهم مستمر وتجربتهم ناصعة في الإخلاص، ولا مناسبة لإعادة رسم صورة مغايرة لرجل اختلف اللبنانيون والعرب حول القضية التي آمن بها، بقدر ما اختلفوا حول المرحلة التي قادها كما حصل مع كل المناضلين الثوريين عبر التاريخ، إنه سؤال افتراضي عن حاضر لبناني تبدلت ملامحه بسرعة، وعن قائد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في قلب واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيدًا.
منذ توليه قيادة حزب الله عام 1992، أصبح سماحة السيد نصرالله شخصية محورية في تاريخ لبنان الحديث. بالنسبة إلى أحبائه، ارتبط اسمه بالمقاومة وبالانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان عام 2000، ثم بالصمود في حرب تموز 2006 ونصرة الحق في المنطقة، أما خصومه، فرأوا في تجربته وجهًا آخر لمسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولتداخل القرار اللبناني مع صراعات المنطقة.
وبين الروايتين بقي لبنان. فالحزب الذي نشأ في ظل الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي عام 1982 لم يبقَ حركة مقاومة عسكرية في الجنوب. دخل البرلمان والحكومات، وبنى حضورًا اجتماعيًا واسعًا، وأصبح طرفًا أساسيًا في الحياة السياسية اللبنانية. ومع اتساع هذا الدور، برز سؤال مستمر: كيف يمكن لقوة تحمل مشروع مقاومة أن تكون في الوقت نفسه جزءًا من دولة يفترض أن يكون قرار الحرب والسلم فيها من اختصاص مؤسساتها؟
ثم جاءت حرب تموز 2006، والتصدي لعزل المقاومة عام 2008، والمشاركة العسكرية في سوريا منذ 2011، لتتسع دائرة الأسئلة أكثر. وبعد ذلك تغيرت المنطقة نفسها. انتهى نظام الرئيس بشار الأسد في أواخر 2024، وانتُخب قائد الجيش جوزيف عون رئيسًا للجمهورية في يناير 2025، فيما دخل لبنان مرحلة جديدة من النقاش حول دور الدولة ومستقبل السلاح والسيادة، ولا سيما في الجنوب. كل ذلك يجعل السؤال عن سماحة السيد نصرالله أكثر من مجرد افتراض. لو كان حيًا اليوم، كيف ستكون التحديات التي ستواجه أي قائد؟
كان التحدي هو بقيادة حزب قدم عددًا من قياداته على طريق التصدي للعدوان الأخير، وبيئة إقليمية تتغير، وسنداً سوريًا دخل مرحلة مختلفة، ودولة لبنانية تقول انها تحاول استعادة حضورها، ونقاشًا داخليًا أكثر حدة حول سلاح المقاومة. ولكن التحدي ذاته يتصدي له الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم بكل روح استشهادية وحكمة. وفي الجنوب، حيث بدأت قصة المقاومة الحديثة بالنسبة إلى كثير من أنصارها، بقيت الأسئلة القديمة نفسها، ولكن في ظروف جديدة تمامًا.
وربما كان سيجد نفسه أمام سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: كيف يمكن الحفاظ على قوة الردع والمقاومة، وفي الوقت نفسه الوصول إلى صيغة يصبح فيها قرار الحرب والسلم جزءًا من استراتيجية وطنية تقودها الدولة؟
لا يستطيع أحد أن يجيب نيابة عن رجل ارتقى وحضوره أقوى. وهذه تحديدًا هي صعوبة السؤال. فرحيل السيد نصرالله لا يلغي الأسئلة التي ارتبطت بمرحلته، بل يجعلها أكثر وضوحًا. ما معنى القوة حين تتغير موازين المنطقة؟ وأين تبدأ مسؤولية الدولة وأين تنتهي مسؤولية المقاومة؟ وهل يمكن أن تظل القوة العسكرية خارج المؤسسة الرسمية إلى أجل غير محدد، حتى لو كانت قد نشأت في ظروف الاحتلال وغياب الدولة؟
وفي الجهة الأخرى، لا يمكن اختزال المسألة في مطالبة بالسلاح ثم الاعتقاد بأن المشكلة انتهت. فلبنان عاش احتلالًا وحروبًا واعتداءات، ولا يزال أمن حدوده مرتبطًا بصراع لم يُغلق نهائيًا. ولهذا يرى مؤيدو المقاومة أن التخلي عن عناصر القوة التي راكمها لبنان لا يمكن أن يكون منفصلًا عن سؤال التهديد الإسرائيلي وعجز الدولة نفسها على حماية أراضيها. وفي المقابل، يرى خصوم حزب الله أن بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة يضعف سيادتها ويجعل قرار الحرب والسلم عرضة لحسابات تتجاوز الدولة اللبنانية دون أن يقدموا بدائل واقعية بعيداً عن الاستسلام، وهذا الخلاف، أكثر من أي شعار، هو أحد أعقد الأسئلة التي تواجه لبنان اليوم.
بعد كل هذه السنوات، وبعد ما دفعه اللبنانيون من دم وبيوت وأرزاق ، ربما لم يعد كافيًا أن نعيد السؤال القديم: من كان في موقع الدفاع ومن المعتدي؟ ومن امتلك القوة في ظل غياب الدولة ؟ ثمة سؤال آخر أكثر جدوى، لأنه يتعلق بالمستقبل لا بالماضي: ماذا يفعل اللبنانيون بهذه القوة، وبهذه الذاكرة، وبهذا التاريخ كله؟
وربما هنا تحديدًا تكمن قيمة سؤال «ماذا لو كان السيد نصرالله بيننا اليوم؟». ليس لأننا نعرف ماذا كان سيقول، ولا لأن أحدًا يستطيع أن يتحدث باسمه بعد غيابه، وإنما لأن منطومة المؤسسة التي كان يقودها ما زالت قائمة رغم كل التضحيات، ولان وجوده الافتراضي يضع التجربة كلها أمام امتحان جديد. فكما أن الغائب لا يحتاج إلى صورة كي يحضر في وجدان بيروت، فإن لبنان لا يحتاج إلى أسئلة جديدة عن المنتصر والمهزوم بقدر ما يحتاج إلى صيغة تجعل القوة حمايةً لا عبئًا، والسيادة واقعًا لا شعارًا، وتمنح الدولة قدرة حقيقية على حماية أرضها وشعبها شرط ان تكون ذات سيادة وتتمتع باستقلال قرارها بعيدا عن الارتهان للخارج الإقليمي والعالمي، من دون تجاهل عناصر القوة التي راكمها لبنان في مواجهة التهديدات التي عرفها طوال تاريخه.
وفي النهاية، بعد ارتقاء القائد وتبدل المرحلة، يعود السؤال إلى مكانه الطبيعي؛ لا إلى سماحة السيد حسن نصرالله وحده، ولا إلى حزب الله وحده، بل إلى بيروت وإلى لبنان كله: كيف يمكن للبنانيين أن يعيشوا بكرامة، ويحافظوا على أرضهم وحريتهم، ويتفقوا أنهم يعيشون بجوار كيان يريد ابتلاع الضفة الغربية بعد غزة كمال قال وزير مالية العدو سموترتش اليوم، ويتوعد الجولان انطلاقة من رواية تلمودية كما صرح في نيويورك قبل أيام بنيامين نتنياهو ، ويريد الاستيطان في جنوب لبنان لما بعد الليطاني كما تروج منظمة أوري تسافون، وكيف يقتنع اللبنانيون بأن الأهم أن تكون لهم دولة قوية وعادلة تحميهم، من دون أن يتخلوا عن عناصر القوة التي يرون فيها حمايةً لوطنهم، وفي مقدمتها المقاومة؟
المصدر: موقع المنار
