الجمعة   
   24 07 2026   
   9 صفر 1448   
   بيروت 12:04

خاص | الاحتلال الإسرائيلي والدمار الممنهج… من يوثّق الجريمة ويقود معركة العدالة؟ (الجزء الثاني )

بعد أن استعرض الجزء الأول حجم الدمار الممنهج الذي استهدف الأعيان المدنية والبنى التحتية والذاكرة الوطنية في جنوب لبنان، ينتقل الجزء الثاني إلى تناول البعد القانوني لهذه الانتهاكات، من خلال بحث آليات التوثيق وجمع الأدلة، ودور الدولة اللبنانية في إعداد الملفات القضائية اللازمة لمساءلة المسؤولين عنها أمام المحافل الدولية.

بين الاتفاقات والمسؤوليات… لماذا لم تصل ملفات الجرائم إلى المحاكم الدولية؟

أسفرت الجولة الخامسة من المفاوضات بين السلطة اللبنانية – والكيان الإسرائيلي، برعاية الولايات المتحدة، عن ما سُمّي اتفاق الإطار، الذي ربط إنهاء النزاع وانسحاب العدو الإسرائيلي والدعم الدولي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. ويُعدّ البند الثالث عشر من أكثر بنوده إثارةً للجدل، إذ ينص على وقف الإجراءات العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية، بما قد يقيّد قدرة لبنان على ملاحقة العدو الإسرائيلي قانونيًا. وفي هذا السياق، رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري الاتفاق، واعتبره «إملاءات» وأسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار 1983، محذرًا من أنه يهدد بإثارة الانقسامات الداخلية ويخدم الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدًا أن الاتفاق «لن يمشي ولن يُنفّذ».

تُمثل المساءلة القانونية الركيزة الأساسية لحفظ الحقوق ومواجهة الانتهاكات، إلا أن التحدي في الحالة اللبنانية لا يقتصر على توثيق الاعتداءات الإسرائيلية، بل يمتد إلى تحويلها من رواية إعلامية إلى ملف قضائي متكامل، بما يتيح ملاحقة مرتكبيها أمام المحافل الدولية.

وفي هذا الإطار يتابع الدكتور العزي ويعتبر أن التقصير في الأداء الرعائي والحمائي انعكس على واجبات الدولة اللبنانية في إعداد ملف قانوني متكامل، لأن إعداد ملف قانوني متكامل يتوجب من الدولة القيام بعملية مسح للأضرار والخسائر البشرية، وتوثيق هذه الأضرار توثيقًا قانونيًا يُبنى عليه لإعداد ملف صالح للادعاء أمام المراجع القانونية المختصة محليًا وإقليميًا ودوليًا.

وبالتالي الدولة اللبنانية لا تملك أي ملف قانوني، ولم يتم – على حد علمنا – تكليف وزير العدل أو لجنة متخصصة لبناء ملف قانوني متكامل، وهو ما يعكس غياب نية واضحة وصريحة لدى الدولة اللبنانية في مقاضاة العدو الإسرائيلي، وهذا ما تثبته الوقائع.

ويقترح العزي أن تكون أولى خطوات بناء ملف قانوني صالح للادعاء هي القيام بعملية توثيق لهذه الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية المتكررة. إلا أن ما قامت به الحكومة اللبنانية اقتصر على تكليف نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري بإعداد تقرير عن الاعتداءات، وهو تقرير يعتمد بصورة كبيرة على وسائل الإعلام، ولا يصلح للادعاء أمام المحاكم، لأنه يفتقر إلى العناصر القانونية اللازمة لبناء ملف قضائي متكامل، ويصلح للإعلام أكثر مما يصلح لمساءلة مجرمي الحرب.

يُظهر تباين الأداء بين متطلبات العدالة الدولية وبين الإجراءات الحكومية اللبنانية فجوةً جوهرية، حيث تحول الاعتماد على التوثيق الإعلامي بدلاً من المسح القانوني إلى عائق بنيوي يُفرغ ملف المساءلة من محتواه القضائي ويحوله إلى أداة سياسية رمزية.

العدالة لا تبدأ في المحكمة… بل في الميدان

ليست كل عدالة تبدأ من قاعة المحكمة … أحياناً تبدأ من ضمان حق شخص في ألّا يحرم من حريته دون مبرر قانوني. تفرض طبيعة الإعتداءات الراهنة وتكرار الجرائم الإسرائيلية على الدولة اللبنانية ضرورة الانتقال من منطق “الرصد الإعلامي” إلى استراتيجية “التوثيق القضائي”؛ فالعدالة الدولية، وفقاً لنظام روما الأساسي، لا تُبنى على التقارير الصحفية أو البيانات الإخبارية، بل على أدلة جنائية تُستوفى فيها شروط الدقة، والترابط، والقابلية للإثبات أمام المحاكم المختصة.

إن اعتماد الدولة على تقارير عامة تفتقر إلى العناصر القانونية الجوهرية – كتقارير نائب رئيس مجلس الوزراء – يُمثل فجوةً بنيوية في ملف المساءلة. فالمحكمة الجنائية الدولية، انطلاقاً من “مبدأ التكامل”، لا تضع يدها على الجرائم إلا عندما تُثبت الدولة المعنية عدم رغبتها أو عدم قدرتها على الملاحقة. لذا، فإن غياب ملف وطني متكامل وموثق وفق المعايير الإجرائية الدولية لا يعني فقط إضاعة فرصة ملاحقة مجرمي الحرب، بل قد يُفسر دولياً كإخفاق سيادي أو تهرّب مقصود من مسؤولية ممارسة الاختصاص القضائي الوطني.

وفي هذا الإطار يقول الدكتور حسين العزي إن بناء أي ملف قانوني يكمن في تأليف لجنة من الخبراء المتخصصين في توثيق الجرائم، ولا سيما خبراء القانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة وخبراء جمع الأدلة الجنائية، والبدء بإجراء مسح شامل وتوثيق قانوني يعتمد على الصور والشهادات وبقايا الذخائر وكل الأدلة التي تثبت الجرائم الإسرائيلية. وكان ينبغي على الدولة اللبنانية القيام بهذا العمل منذ بداية العدوان، لأن التوثيق القانوني هو الخطوة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها في بناء ملف قانوني متكامل صالح للادعاء على العدو الإسرائيلي.

هل قُيّدت معركة المحاسبة وكيف منح البند 13 من إتفاق الإطار حصانة للعدو الإسرائيلي؟

لم يعد التشكيك في “اتفاق الإطار” مقتصراً على ما يحمله من تنازلات سياسية تقليدية، بل انتقل إلى تهديد جوهري يمسّ سيادة لبنان القانونية وقدرته على ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية. ويبرز البند 13 في هذا السياق كـ “نص ملغوم”، لا يكتفي بدعوة الطرفين إلى “وقف الأعمال العدائية”، بل يضع الملاحقة القضائية للجرائم الإسرائيلية في كفة، و”السلام المستقر” في كفة أخرى، محولاً العدالة الدولية إلى مادة قابلة للمساومة في سوق السياسة.

إن الخطورة الحقيقية لهذا البند تكمن في طبيعته المطاطة؛ إذ يُقيد الدولة اللبنانية بوقف أي عمل “ضار” بإسرائيل في المحافل الدولية، وهو ما يفسح المجال لتفسيرات فضفاضة قد تصل إلى حد تجريم إعلان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. وبدلاً من أن تلتزم الدولة بحماية مواطنيها عبر توثيق جرائم التهجير والقتل الممنهج، نجدها —بموجب هذا الالتزام— تقيد يديها عن أي فعل قانوني قد “يستفز” المعتدي، ضاربةً عرض الحائط بالالتزامات الدولية والدستورية التي تعتبر الصهيونية وممارساتها انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية.

إن الدفاع الرسمي عن هذا البند، بوصفه “التزاماً سياسياً مؤقتاً” لخدمة المفاوضات، يسقط أمام الحقيقة القانونية التي تؤكد أن “تجميد” الحق في العدالة هو تنازل لا يملك أي مفاوض منحه، خاصة في ظل عدم وجود سقف زمني لهذه المفاوضات. وعليه، يتحول البند 13 من أداة دبلوماسية إلى “غطاء قانوني” يمنح إسرائيل حصانة مسبقة، ويجعل من السلطة اللبنانية شريكاً—بحسن أو سوء نية—في تقويض المرجعية الدولية، متجاهلةً التضحيات الكبرى للضحايا الذين باتت حقوقهم مجرد “رهينة” في اتفاقٍ يغلب منطق التسوية على منطق الحق.

خلاصة القول، إن البند 13 يمثل تكراراً لآثام الماضي، حيث يتم طمس الجرائم بذريعة “طي الصفحة”، ولكن هذه المرة على حساب العدالة الدولية، مما يجعل لبنان في مواجهة حتمية مع التزاماته الدستورية والقانونية تجاه شعبه وقضيته العادلة.

وفي هذا الصدد يعتبر الدكتور العزي إن عجز الدولة اللبنانية المتعمد وتقصيرها الذي بلغ حدّ التواطؤ أو شبهة التواطؤ، تجلى بصورة واضحة في البند الثالث عشر من ما يسمى باتفاق الإطار، إذ تنازلت السلطة اللبنانية، وفق هذا البند، عن حقها في ملاحقة ومساءلة مجرمي الحرب أمام المحاكم الدولية، كما تنازلت عن جزء من حقها السيادي في اتخاذ المواقف والقرارات السياسية التي قد تتعارض مع مصالح العدو الإسرائيلي.

ويتابع العزي أن هذا البند يخالف قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، وأن التنازل عن حق التقاضي يشكل مخالفة صريحة لهذه القواعد، الأمر الذي يجعله، من الناحية القانونية، سببًا لبطلان اتفاق الإطار وفقًا للمادتين (53) و(64) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

ويختم العزي بأنه ينبغي على الدولة اللبنانية أن تتمسك بعناصر القوة الوطنية، وأن تحترم سيادتها، وأن تبادر إلى تحصين حقوقها والمطالبة بها، والإنصاف للمتضررين، وملاحقة جميع المسؤولين عن العدوان على لبنان. كما ينبغي، بالحد الأدنى، إقرار قانون يجرّم جرائم العدوان الإسرائيلي، ويمنح الحكومة الأساس القانوني لسلوك المسارات القضائية والدبلوماسية لمساءلة مجرمي الحرب والمطالبة بحقوق المتضررين.

المصدر: موقع المنار