عصام احميدان
لا تزال الأزمة السورية تراوح مكانها ، رغم مرور حوالي سنة ونصف من تاريخ اندلاعها ، ويكتسي الحديث عنها أهمية استراتيجية لما تمثله سورية من موقع تتقاطع فيه الإرادات السياسية الإقليمية وتتجاذبه محاور كبرى تريد أن توجه المشهد الإقليمي بالشرق الأوسط وفق رؤى وتصورات وأجندة سياسية مختلفة ومتمايزة .
من هذا المنطلق ، تكمن أهمية تشخيص الوضع السوري الداخلي وعلاقته بمحيطه الدولي والإقليمي ، وهو وحده ما يسمح بقراءة اللحظة التاريخية قراءة استشرافية مستقبلية ، ورسم تصورات ذهنية للسيناريوهات الممكنة للتغيير المستقبلي بسورية ..فانطلاقا من ضرورة تجرد أي تحليل سياسي من المنطلقات العاطفية و المواقف السياسية المسبقة ، وحيث أنه يجب وضع كل الفرضيات والاحتمالات مهما كانت نسبة تحققها ضئيلة لمناقشتها وتقييم مدى واقعيتها ، فإني أعتقد أن كل السيناريوهات الممكنة هي كالآتي :
1- السيناريو الأول : انتصار النظام على معارضيه : وهو سيناريو يطمح لتحقيقه النظام السوري من خلال الحسم العسكري الميداني ، ليفرض بعد ذلك على معارضيه الحوار السياسي باعتباره المخرج الوحيد لهم من الورطة السياسية التي تورطوا فيها، وهو السيناريو الذي تخشاه القوى الغربية والخليجية وتراه أسوأ سيناريو من شأنه أن يمثل ضربة قوية لما يسمى ب "محور الاعتدال العربي" ، وقوة إضافية لمحور "الممانعة" ، وهي نتيجة لا تقل في أهميتها عن ما حققته المقاومة اللبنانية في حرب 2006 .
2- السيناريو الثاني : انهزام النظام وانتصار معارضيه عليه : في هذه الحالة سنكون أمام احتمالين فرعيين وهما : إما دخول سورية مرحلة الحرب الطائفية الأهلية التي ستعقب سقوط النظام وسيتعذر آنذاك على الغرب ودول الخليج الاستفادة سياسيا من "سورية" لتعديل موازين القوى الإقليمية ، كما ستمتد تلك الحرب الأهلية إلى كل من دول الجوار " تركية ، لبنان ، العراق " مما سيهدد من جديد المصالح الجيواستراتيجية للغرب ودول الخليج وسيتقوى حجم التدخلات الإقليمية المتبادلة مما سيدخل المنطقة في حالة من الفوضى ، وهو أمر سيهدد أمن الكيان الصهيوني ، حيث لن نكون أمام دول تتحمل مسؤوليتها السياسية بقدر ما سنكون أمام ميليشيات وفوضى السلاح ..أو قيام نظام سياسي جديد يتشكل من أطياف معارضة الخارج ليكون بذلك الخط السياسي للنظام المقبل منسجم مع الغرب والسعودية ومستعد للتعايش مع الكيان الصهيوني وعلى قطيعة مع محور الممانعة وهو السيناريو التي يتمناه الغرب وبعض دول الخليج وعلى رأسها السعودية وقطر .
3- السيناريو الثالث : ألا يكون هناك منتصر أو منهزم في صراع النظام والمسلحين فهنا ينفتح هذا الاحتمال بدوره على احتمالين فرعيين : أولاهما أن تتشكل بعد فترة من العمل العسكري قناعة أنه لا يمكن للنظام القضاء على المعارضة المسلحة وأن المعارضة المسلحة لن تستطيع إسقاط النظام ، ليؤسس ذلك لقناعة جديدة بضرورة الحل السياسي والوصول إلى صيغة توافقية بين النظام ومعارضيه ..وثاني الاحتمالين يتمثل في استمرارية حرب الاستنزاف بين النظام والمعارضة لفائدة أطراف دولية وإقليمية ، بحيث تتجه البلاد نحو تكتلات طائفية تنفتح على خيار تقسيم سورية مما سيضعف دورها الإقليمي ويجعلها غير قادرة على تشكيل خطورة على أمن الكيان الصهيوني ، ولعله الخيار الذي تفضله أمريكا والكيان الصهيوني وهو ما يفسر إصرار الغرب والكيان الصهيوني على استمرارية حرب الاستنزاف وعرقلة مشاريع الحل السياسي التي تدعو لها إيران وروسيا والصين ، وهو خيار من شأنه أن تنتقل عدواه إلى لبنان والعراق وتركية ، لوجود تركيبات طائفية متشابهة في هذه البلدان ، كما سينعكس في مرحلة متقدمة على الوضع السياسي ببلدان الخليج نفسها .
إننا أمام إصرار الغرب وبعض الدول الخليجية وتركية على تصعيد العمل العسكري بسورية ، وفي إطار عدم إمكانية التدخل العسكري الخارجي لما تمثله الحالة السورية من خصوصية لا تتوفر في الحالة العراقية أو الليبية ، وحيث أنه لا يعقل أن الغرب لا يدرك استحالة تغيير النظام السياسي من خلال حرب عصابات وشوارع متنقلة ، وفاقدة للغطاء الجوي والأسلحة الثقيلة ، فإن الاحتمال الأكبر هو أن يكون الغرب يراهن على صيرورة زمنية معينة من الاقتتال الداخلي في سورية ، كي يتم استنزاف كل من النظام والمعارضة ، في حين يتم العمل في جهة أخرى غير مرئية على مشروع آخر مغاير تماما لما يتم الترويج له سياسيا وإعلاميا .
إن ما تطمح له تركية وبعض دول الخليج ليس بالضرورة ما تطمح له الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ، فخيار التقسيم هو الأفضل غربيا، ولا مدخل إليه إلا من خلال حرب أهلية طائفية ، لأنه بدون مضمون طائفي للاقتتال لا يمكن تصور أساس هوياتي للتقسيم الجديد ..بينما تركية تخشى من خيار التقسيم لأنه سيفتح الباب أمام تشكل دويلة كردية مما يعزز قوة ومكانة الأكراد وتقدم موضوعي في مشروع "كردستان الكبرى" ، كما أن أي اقتتال طائفي في سورية سينعكس سلبا على الوضع الداخلي اللبناني والعراقي .
من هذا المنطلق ، أكد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في مؤتمر قمة مكة "الإسلامية" على أن المنطقة مهددة بصراعات قومية ومذهبية قد تستمر لعشرات السنين ، وهو الأمر الذي دفع الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى الحديث عن ضرورة إنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية ، لأن الأزمة السورية من شأنها أن تفجر صراعا مذهبيا عميقا على امتداد العالم الإسلامي ، وهو ما سيهدد أمن المنطقة برمتها .
إن المقاربة السعودية للحرب الطائفية اقتصرت على البعد الثقافي في العلاقة بين المذاهب الإسلامية ، بينما اتجهت المقاربة الإيرانية نحو البعد السياسي في الحالة الطائفية باعتباره بعدا مؤسسا ، بينما تبقى الحالة الثقافية الطائفية مجرد مظهرا من مظاهر التفتت السياسي ..غير أنني أعتقد أن المقاربة يجب أن تكون شمولية مستوعبة لما هو ثقافي بأدوات ثقافية ، ولما هو سياسي بأدوات سياسية .
في نهاية المطاف ، نكاد نجزم أن سورية باتت اليوم أمام منعطف تاريخي ، فإما أن يقتنع الجميع بضرورة وقف حمام الدم وحقن دماء الشعب السوري ، وضرورة وضع السلاح جانبا والجلوس على طاولة الحوار السياسي الداخلي ، أو أن سورية –لاقدر الله- ستنفتح على الحرب الأهلية ، التي لا أحد يستطيع التحكم في مداها وانعكاساتها الإقليمية .
إن من يتشبث بفكرة "تنحي الرئيس أولا" مغامر سياسي لا يقدر خطورة هذا الطرح ، لأنها صيغة عبثية تؤسس لحالة الفراغ السياسي الذي سيفتح البلد على مخاطر الفوضى والحرب الأهلية ، تماما كما حرب الاستنزاف التي من شأنها أن تخلق حالة من الانهيار السياسي والتآكل الداخلي ، وهو بدوره لن يفتح البلاد إلا على مخاطر الفوضى والانزلاق نحو العنف الطائفي ، لتحل الطائفة والعشيرة والقومية محل الدولة ..وآنذاك ، لن يكون هناك غالب ومنتصر ، فالكل سيكون قد انهزم والمنتصر سيكون فقط هو عدو الشعب السوري .
إن الخيار الوحيد المنطقي ، والذي يجب أن يتمسك به من فعلا يدعي صداقة الشعب السوري ، وحرصه على حقن دمائه ، هو الضغط على طرفي الصراع للجلوس معا على طاولة الحوار السياسي وتقرير الشعب السوري بنفسه خارطة الطريق لمرحلة انتقالية تدبرها حكومة ائتلافية وطنية تهيئ الشروط السياسية لاستفتاء دستوري وانتخابات حرة ونزيهة ، يحدد من خلالها الشعب السوري اختياراته السياسية بإشراف ورقابة دولية محايدة .
موقع المنار غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
|