27/08/2008 لن يُقتل ريشار لابفيار مهنياً بصمت، ولو أن المسؤولين عن إقالته تعسفياً من منصبه كرئيس تحرير »راديو فرانس انترناسيونال«، أرادوها »إقالة صيفية« على ما يقول، تُمرر خفية عن الرأي العام في موسم العطلة. هذه ليست الفكرة الوحيدة التي شدّد عليها لابفيار في مؤتمره الصحافي الذي عقد أمس في نقابة الصحافة اللبنانية بحضور النقيب محمد البعلبكي، الذي أعرب بدوره عن دعم النقابة للابفيار معتبراً قرار إقالته »مؤسفاً ومجحفاً، لا بحق شخصه فحسب، بل بحق الإعلام الحر في العالم«. طفح المؤتمر الصحافي بأكثر من واقعة ـ فضيحة تظهر حقيقة تأثير اللوبي الاسرائيلي على حرية التعبير في فرنسا، كما حرص لابفيار على تسليط الضوء على السبب الحقيقي لقرار إقالته: »يريدون إجبارنا على القول في تعليقاتنا ان عاصمة إسرائيل هي القدس، وإن المستعمرات متأصلة وإن جدار الفصل هو حاجز أمني وإن الجيش الاسرائيلي ذو أخلاقية عالية إلى درجة أنه لا يستطيع، على الإطلاق، قتل نساء وأطفال مدنيين وتدمير بنى تحتية عامة«، مشيراً إلى ما أسماه »الخبث« في جعل الأمر يبدو منحصراً بمقابلته الرئيس السوري بشار الأسد: »لا يتعلق الأمر بمقابلة الرئيس بشار الأسد وهنا كل الخبث، لكان الأمر سياناً لو أجريت المقابلة مع سعد الحريري أو السيد حسن نصر الله أو سمير جعجع أو ميشال عون أو حسني مبارك أو محمود عباس أو خالد مشعل«... في خيار لابفيار عقد مؤتمره الصحافي في بيروت قبل باريس موقف أراده ذا دلالات صارخة. انقلبت الآية المعتادة أمس. فمن كان يظن ان إعلامياً فرنسيا يحس بالقمع في بلده سوف يلجأ إلى بيروت، بما تختزنه من تضارب وتنّوع وأحياناً كثيرة فوضى على صعيد إعلامها، ليتكلم عن قضيته؟: »بعكس المتوقع وبشكل متناقض، وأنا أقول ما أقوله عن معرفة، من المؤكد ان مستوى تعددية الصحافة وحرية التعبير أعلى في بيروت مما هو عليه في باريس«. ولكي يدعّم كلامه بالوقائع انتقد لابفيار »إدارة وكالة الصحافة الفرنسية في باريس والإدارة الإقليمية في نيقوسيا، اللتين تجمدان، منذ عشرة أيام أربع برقيات من بينها بيان مشترك صادر عن نقابات الصحافيين الكبيرة تندد بتسريحي«. تعمّد لابفيار اختيار توقيت مؤتمره بين زيارة وزير الخارجية الفرنسية برنارد كوشنير إلى لبنان من جهة، والزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى سوريا من جهة أخرى. وبرغم ان كريستين أوكرنت كوشنير زوجة وزير الخارجية الفرنسية كانت لها اليد الطولى في قرار تسريحه (بعد ان سماها زوجها للمنصب هذا بحسب لابفيار) فإن لابفيار حرص »على عدم تزامن مؤتمر الصحافي مع زيارة كوشنير، أنا أحترم عمل كل الدبلوماسيين وكان ذلك ليكون إزعاجاً، لم أكن أريد أن أزيد مشكلة إضافية على مفكرة مهماته هنا، أما بالنسبة لتوقيت زيارة ساركوزي، فآمل ان يلفت ذلك نظره إلى ما يجري وإلى حالة حرية التعبير، وان يساعده على فهم ما يحدث حول المنطقة« مشيراً إلى الفارق في التعاطي بين الإليزيه ووزارة الخارجية في مسائل الشرق الأوسط. سُرح لابفيار في 16 تموز وتبثت القرار رسمياً في 12 آب الماضي، بعد ان اتهمته إدارة »راديو فرانس انترناسيونال« بأنه لم ينسق مع الإدارة في ما خص مقابلة أجراها مع الرئيس السوري بشار الأسد. وهذا ما يعتبره لابفيار »ملفا فارغاً وملفقاً ومركباً استناداً إلى شهادتين مزيفتين أي شهادة المراسلة الحالية لـ»راديو فرانس انترناسيونال« في بيروت، وشهادة المدير العام السابق لإعلام في »تي في5 موند«. لقد أبلغت بالفكرة رؤسائي قبل أشهر، وعلى غرار زملائي الآخرين الذين تمكنوا من مقابلة الرئيس السوري، وبعد ان أبلغتني السلطات المختصة في دمشق بإمكان إجراء المقابلة، أعلمت إدارتي في 3 تموز، فأذنت لي بالسفر«. وأكد لابفيار ان المسألة دقيقة وتتخذ فيها حرية التعبير بعدها الحقيقي، إذ ان الأمر »لا يتعلق بمقابلة الرئيس بشار الأسد.. بل يكمن الخطأ الحقيقي في خيار كبار المسؤولين في وكالات الصحافة.. لم يعد من مكان في فرنسا لصحافي يعترف للعرب، مهما كانت مشاربهم السياسية، بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها الاسرائيليون والغربيون«. وتابع لابفيار: »خلف واجهة الصحافة الحرة هناك حملة فادحة من التضليل الاعلامي والتلاعب بالرأي العام. إن توجيه الاعلام المرئي والمسموع الخارجي في فرنسا، »أر أف إي« و»تي في 5 موند« و»فرانس 24«، على يد الإعلاني آلان دو بوزلاك وكريستين أوكرنت كوشنير، يندرج في إطار إرادة السعي إلى فرض قراءة وفكر أحاديين ومؤيدين لاسرائيل«. وضرب لابفيار المثل بما يجري في كواليس »راديو فرانس انترناسيونال« لجهة إعادة توجيه نشرة الأخبار اليومية الخاصة بالشرق الاوسط، واختفاء مجمل الكتّاب والمستشارين العرب منها، وكذلك برنامج »الكيوسك العربي« الذي ألغي بعد حرب تموز ،2006 واستبدل ببرنامج تقليدي يجمع بين مراسلي الصحافة العربية والاسرائيلية في باريس. هي ليست »المضايقة المهنية الأولى« للابفيار الذي سبق وأقيل من منصبه في »أر أف إي« كرئيس الدائرة الأجنبية العام 2005 »من دون تفسير« على ما يؤكد، كما أقيل ككاتب افتتاحيات دولي في الإذاعة العام 2005 »بناء على طلب مباشر من السفير الاسرائيلي في فرنسا نسيم زفيلي«، ثم عمل كـ»منتج ومقدم برنامج « جيو بوليتيك »الذي تعرض للرقابة مرات عديدة«. فهل من الممكن ان ينجح الضغط المعاكس بإعادة لابفيار إلى مهامه في الإذاعة؟ الواضح ان الأمر برهن التحركين النقابي والقضائي في فرنسا اللذين سيبدآن بعد انتهاء موسم العطلة الصيفية.